شباب تعز: بين طموحات الدراسة الأكاديمية وواقع جبهات القتال المرير


هذا الخبر بعنوان "الحرب في تعز.. شباب بين أحلام الدراسة ومصير الجبهات" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مساء الثاني عشر من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، تلقى أحد أصدقاء زكريا السعدي اتصالاً هاتفياً حمل نبأً مفجعاً. من أمام ثلاجة الموتى في أحد مستشفيات تعز، جاءه صوتٌ متهدجٌ بكلمتين: "زكريا استشهد". كان الخبر كالصاعقة على أصدقائه، الذين اعتادوا الاجتماع به لمناقشة قضايا السياسة والحرب والسلام، وترقبوا نهاية المعارك التي أثقلت كاهل مدينتهم لسنوات. كان السعدي، الحاصل على الماجستير في العلوم السياسية، يكتب الدراسات والأوراق البحثية، ويحلم بمستقبل في العمل الدبلوماسي، لكنه كان يعود باستمرار إلى جبهات القتال مع تصاعد المواجهات. وقبل أن يحقق طموحه الأكاديمي، لقي مصرعه في إحدى جبهات القتال غربي تعز، تاركاً خلفه أحلاماً لم تكتمل ورفاقاً يكابدون ألم رحيله.
لم يكن زكريا الوحيد الذي فقد حياته خلال التصعيد الأخير في تعز؛ إذ قُتل 15 طالباً من جامعة تعز ومنتسبي الوسط الجامعي منذ بدء التصعيد العسكري في سبتمبر/أيلول 2026 وحتى السادس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وفق إحصائية أولية حصلت عليها الجزيرة نت من إعلام الجامعة. سقط 14 منهم في الجبهة الغربية وجبهة الكدحة، فيما قُتل آخر في الجبهة الشرقية أثناء ممارسته لعمله.
بين حلم الدكتوراه والجبهة
يصف شعيب الأحمدي، أقرب أصدقاء زكريا، صديقه بأنه شاب مفعم بالحيوية، واسع الاطلاع، وقريب من الناس بمختلف أعمارهم. ويشير إلى مشاركته في إعداد أوراق سياسية تناولت قضايا الشباب والمصالحة وحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية. كان زكريا يطمح إلى تمثيل بلاده دبلوماسياً في المحافل الدولية، ويخطط لمواصلة دراسته حتى نيل الدكتوراه في العلاقات الدولية، لكنه ظل حاضراً في جبهات القتال منذ التحاقه بالجيش والمقاومة عام 2016، وفق رواية الأحمدي.
ويستعيد الأحمدي آخر تواصل بينهما قبل مقتل زكريا بساعات، حين طمأنه باقتضاب قائلاً إن "الأمور بخير". وبعد الفجر، حاول مراسلته مجدداً، لكن زكريا لم يرد. ثم تلقى الأحمدي نبأ مقتله، في صدمة يقول إنها تركت جرحاً عميقاً في نفسه. ويرى أن الوفاء لصديقه يعني مواصلة العمل من أجل القضية التي آمن بها.
زكريا وآخرون في 12 أكتوبر/تشرين الأول
قُتل زميل زكريا، عمار مهيوب، الحاصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية، خلال المعارك في منطقة نقطة الهنجر غربي المدينة. وفي السادس عشر من أكتوبر/تشرين الأول، قُتل يعقوب الشرعبي، المهندس المتفوق الذي أحرز المركز الأول على دفعته في كلية الهندسة بجامعة تعز، خلال مشاركته في المعارك بمحافظة الجوف. وفي الثالث والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول، قُتل الطالبان عبد الباسط الضبابي من قسم العلوم السياسية، وأصيل الوهابي من قسم الإعلام وعلوم الاتصال بكلية الآداب في جامعة تعز، خلال المواجهات بين القوات الحكومية وجماعة الحوثيين. وتكشف هذه الخسائر جانباً من الثمن الذي يدفعه الوسط الجامعي في الحرب، حيث تتقاطع حياة الطلاب والخريجين وطموحاتهم المهنية مع جبهات القتال، فيما تتعطل مسارات تعليمية ومشروعات مهنية كان أصحابها يخططون لمواصلة بنائها.
من القلم إلى البندقية
في ظل التصعيد العسكري الذي تشهده تعز منذ مطلع سبتمبر/أيلول الماضي، يتجه طلاب جامعيون إلى الجبهات، فيما تعطلت الدراسة بفعل المواجهات والظروف الأمنية. وعلى أحد مواقع القتال غربي المدينة، التقت الجزيرة نت الطالب محمد عبد الجليل السوائي، الذي يدرس العلاقات العامة في المستوى الثالث بقسم الإعلام في جامعة تعز. كان يمسك بندقيته ويستعد للمواجهة، بينما بقيت دراسته معلقة حتى إشعار آخر. يقول السوائي للجزيرة نت، إن الحرب دفعته إلى الالتحاق بالجبهات دفاعاً عن مدينته. ويضيف: "نحن خرجنا من أجل حريتنا وكرامتنا، ومن أجل مستقبلنا، لأنه في ظل وجود المليشيا، لا يوجد مستقبل". ويرى الطالب المحارب أن مشاركته في القتال امتداد لدفاعه عن المستقبل الذي يسعى إلى بنائه، مؤكداً: "سيخرج الطالب، والدكتور، والمهندس ضد هذه المليشيا، أنا تركت القلم وحملت البندقية، من أجل ألا تدنس هذه المدينة". كان السوائي يكرس وقته للدراسة قبل عودة التصعيد، لكن اشتداد المواجهات غيّر مسار حياته اليومية، ودفعه إلى ترك الجامعة والتوجه إلى الجبهة. وبالنسبة إليه، يرتبط مستقبل المدينة بمستقبله الشخصي، ويرى أن إنهاء الانقلاب على الجمهورية يمثل الطريق إلى استعادة المستقبل الذي يسعى إلى بنائه.
طموح مؤجل وحرب مستمرة
أما عمروس العامري، خريج قسم الإعلام، فكان يعمل في التصوير والمونتاج وكتابة التقارير الصحفية، ويستعد لمواصلة دراسته ونيل درجة الماجستير. لكنه وضع خططه الأكاديمية جانباً والتحق بجبهات القتال. يقول للجزيرة نت: "كنت قبل الأحداث الأخيرة أنوي دراسة الماجستير وقدمت في منح عدة، لكن جاءت الأحداث الأخيرة وتغير الوضع في تعز. تركنا التعليم وأوقفنا جانب الدراسة، ثم التحقنا بالجبهات دفاعاً عن الأرض والعرض والكرامة". ويضيف العامري أن الحرب عطلت مساره التعليمي، في ظل تداعياتها على المدارس والمعاهد والجامعات في تعز. ولم تقتصر خسائره على تأجيل دراسته؛ إذ يحمل إصابتين، إحداهما في ساقه اليسرى، جعلت المشي صعباً عليه. ومع ذلك، يواصل التوجه إلى الجبهة حاملاً سلاحه، ويتمسك بأمل استئناف تعليمه متى سمحت الظروف. ويرى أن القتال أعاد تشكيل نظرته إلى المستقبل، رابطاً تحقيق طموحاته ببقاء الجمهورية، ويؤكد -للجزيرة نت- أنه كان سيلتحق بالجبهات مجدداً لو عاد به الزمن إلى الوراء. ويستحضر العامري ذكرى صديقه زكريا السعدي، الذي جمع بين التحصيل العلمي والطموح الأكاديمي والمشاركة في القتال. ويرى أن مقتله يمثل خسارة لصديق ترك رحيله أثراً عميقاً، في وقت يواجه فيه طلاب وخريجون آخرون مصيراً مشابهاً.
أحلام معلقة
تتقاطع حكايات زكريا والسوائي والعامري عند نقطة واحدة؛ حرب تعيد تشكيل حياة الشباب، وتضع التعليم والطموحات المهنية في مواجهة خيارات قاسية. زكريا رحل قبل أن يحقق حلمه بالدكتوراه والعمل الدبلوماسي، والسوائي ينتظر فرصة العودة إلى الجامعة، في حين يحاول العامري التوفيق بين إصابته ورغبته في استكمال تعليمه. وفي بلد يعاني تراجع فرص العمل والتعليم، تتجاوز خسارة هؤلاء حدود المعارك، لتطال المجتمع الذي يحتاج إلى علمهم وخبراتهم وقدرتهم على بناء المستقبل. وبين جبهات القتال وقاعات الدراسة المغلقة، تبقى أحلام جيل كامل معلقة على نهاية حرب تواصل استنزاف الشباب، وتبدد سنوات من أعمارهم، وتترك عائلاتهم وأصدقاءهم أمام خسارات يصعب تعويضها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة