الدين الأمريكي يلتهم الموازنة: صراع الجمهوريين والديمقراطيين على مستقبل الاقتصاد


هذا الخبر بعنوان "الدين الأمريكي يلتهم الموازنة.. كيف يؤثر في معركة الجمهوريين والديمقراطيين؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تلتهم فوائد الدين العام الأمريكي نسبة كبيرة من الموازنة الفدرالية، حيث بلغت 14.2% من إجمالي الإنفاق في السنة المالية 2026، مما يعني أن دولاراً واحداً من كل سبعة دولارات تنفقها الحكومة يذهب لسداد هذه الفوائد. تعكس هذه الأرقام حجم الأعباء التي يفرضها الدين على أكبر اقتصاد في العالم، وتأتي في وقت يعاني فيه ملايين الأمريكيين من ارتفاع تكاليف المعيشة الأساسية مثل السكن والرعاية الصحية. هذا الوضع يحد من قدرة الحكومة على تمويل الخدمات والمشروعات التي يمكن أن تحسن حياة المواطنين.
تتحول هذه المفارقة إلى قضية انتخابية محورية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026. يسعى الجمهوريون للحفاظ على أغلبيتهم، بينما يعتمد الديمقراطيون على استياء الناخبين من الوضع الاقتصادي. تزداد أهمية هذا التحدي في ظل السياسات الاقتصادية للرئيس دونالد ترامب، الذي وعد بخفض الضرائب وتكاليف الاقتراض وزيادة الوظائف. ومع ذلك، يتوقع مكتب الموازنة بالكونغرس أن تؤدي التشريعات المالية التي أُقرت في عام 2025 إلى زيادة العجز بمقدار 4.7 تريليونات دولار خلال العقد القادم.
أظهر استطلاع لمركز بيو للأبحاث في أكتوبر/تشرين الأول 2026 أن 84% من الناخبين يرون الاقتصاد قضية حاسمة في تصويتهم، مما يجعل تكلفة الديون والسياسات المالية جزءاً من اختبار أوسع لوعود الحزبين الاقتصادية. تثير هذه التطورات تساؤلات حول المستفيد الحقيقي من السياسات الاقتصادية الأمريكية، ومدى استفادة المواطنين من التخفيضات الضريبية والإنفاق الحكومي مقارنة بالشركات الكبرى والمؤسسات المالية، وحجم الأعباء التي تفرضها الديون المتراكمة على حياة الأمريكيين ومستقبل الأجيال القادمة.
لم تصل الولايات المتحدة إلى أزمتها الحالية بين عشية وضحاها؛ فقد تراكمت الديون على مدار عقود نتيجة استمرار الإنفاق الحكومي بمعدلات تتجاوز الإيرادات. أسهمت التخفيضات الضريبية، وتكاليف الحروب، والأزمات الاقتصادية، وبرامج التحفيز في تفاقم هذا الوضع، حتى تجاوز إجمالي الدين الفدرالي الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار في أغسطس/آب 2026. بلغت فوائد الدين العام نحو 1.36 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر/أيلول 2026، وهو مبلغ يمثل تكلفة الاقتراض نفسه.
تتكشف ضخامة ديون الولايات المتحدة عند مقارنتها بحجم اقتصادها؛ إذ تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة سيبلغ نحو 32.6 تريليون دولار خلال العام الحالي، مما يعني أن ديون الحكومة تفوق قيمة ما ينتجه أكبر اقتصاد في العالم. تكمن المشكلة ليس فقط في ضخامة الدين، بل في تكلفة الإبقاء عليه، حيث تضطر الحكومة إلى إصدار سندات جديدة لتمويل عجزها وسداد الديون المستحقة. بلغ صافي فوائد الدين العام نحو 1.05 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر/أيلول 2026، متجاوزاً الإنفاق على الدفاع الوطني والصحة. كما تجاوز صافي فوائد الدين الإنفاق على التعليم والتدريب والخدمات الاجتماعية بعشرة أضعاف.
في ظل تزايد فوائد الدين، واصلت الإدارات الأمريكية استخدام التخفيضات الضريبية لتحفيز الاستثمار والنمو. قانون عام 2017 الذي أقرته إدارة دونالد ترامب خفض ضريبة أرباح الشركات من 35% إلى 21%. عاد ترامب لتوسيع هذه السياسة في ولايته الثانية عبر التشريع الضريبي والإنفاقي في يوليو/تموز 2025. يدافع الجمهوريون عن هذه التخفيضات لدعم النمو، بينما ينتقد الديمقراطيون توزيع مكاسبها وتأثيرها على العجز. كشفت دراسة لمركز السياسات الضريبية الأمريكي في يونيو/حزيران 2026 أن أعلى 20% من الأسر دخلاً سيحصلون على 60% من إجمالي التخفيضات الضريبية، بمتوسط يتجاوز 12 ألف دولار للأسرة، مقابل 150 دولاراً فقط لأفقر 20%.
لا يتلقى المواطن الأمريكي فاتورة مباشرة للدين العام، لكنه يشعر بتداعياته من خلال ارتفاع تكاليف الاقتراض والضغوط على الإنفاق الحكومي. بلغت فوائد الدين العام 1.05 تريليون دولار من إجمالي الإنفاق الفدرالي البالغ 7.4 تريليونات دولار في السنة المالية المنتهية في سبتمبر/أيلول 2026، بما يعادل 14.2% من إجمالي النفقات. تظهر هذه الضغوط على برامج الرعاية الصحية والمساعدات الاجتماعية، حيث أقر الكونغرس في يوليو/تموز 2025 تشريعاً يتضمن تخفيضات كبيرة في الإنفاق على برنامج ميديكيد وبرنامج المساعدات الغذائية. يتوقع مكتب الموازنة بالكونغرس أن تؤدي هذه التغييرات إلى خفض الإنفاق على ميديكيد بنحو 910 مليارات دولار خلال العقد القادم، وزيادة عدد الأمريكيين غير المؤمن عليهم صحياً بنحو 7.5 ملايين شخص.
زادت الحرب الأمريكية مع إيران الضغوط على المواطنين، حيث أسهمت اضطرابات إمدادات النفط وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة في زيادة أسعار الوقود والسلع. ارتفعت أسعار البنزين بنسبة 9.1% خلال سبتمبر/أيلول 2026 وحده، بينما بلغ التضخم السنوي 3.7%. ارتفعت أسعار البنزين بنسبة 45% مقارنة بمستوياتها قبل اندلاع الحرب، وقُدرت التكلفة الاقتصادية الإضافية للأسرة الأمريكية المتوسطة بنحو ألفي دولار.
تضع هذه التطورات الوعود الاقتصادية للرئيس دونالد ترامب أمام اختبار صعب قبل انتخابات التجديد النصفي. راهن ترامب على التخفيضات الضريبية وتوسيع الإنتاج المحلي وخفض أسعار الطاقة. تباطأت وتيرة التوظيف في سبتمبر/أيلول 2026، حيث أضاف الاقتصاد 29 ألف وظيفة فقط، واستقر معدل البطالة عند 4.2%. جاء ارتفاع التضخم، الذي أسهمت الحرب مع إيران في تأجيجه، مخالفا لتطلعات ترامب. رفع الاحتياطي الفدرالي أسعار الفائدة إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%، مما زاد صعوبة تحقيق وعود خفض تكاليف الاقتراض. ارتفاع الفوائد يمتد إلى الحكومة نفسها عند إصدار سندات جديدة أو إعادة تمويل الديون المستحقة.
يُفترض ألا تقتصر مكاسب السياسات الاقتصادية على الشركات الكبرى والمؤسسات المالية، بل أن تمتد إلى المواطنين بتوفير فرص عمل وتحسين مستويات الدخل. يظهر تفاوت كبير في الاستفادة حسب مستوى الدخل والثروة. توقع مكتب الموازنة بالكونغرس أن يؤدي التشريع الضريبي والإنفاقي لعام 2025 إلى زيادة الموارد المتاحة للأسر المتوسطة والمرتفعة الدخل، مقابل تراجعها لدى الأسر الأقل دخلاً. بلغت قيمة الأسهم وحصص صناديق الاستثمار المشتركة التي يمتلكها أغنى 10% من الأسر الأمريكية نحو 48.2 تريليون دولار بنهاية الربع الأول من عام 2026، مقابل 590 مليار دولار فقط للنصف الأقل ثراء من الأسر.
لا تشير التوقعات الرسمية إلى تراجع الضغوط على الموازنة قريباً؛ فتوقع مكتب الموازنة بالكونغرس ارتفاع صافي مدفوعات الفائدة من نحو تريليون دولار في عام 2026 إلى 2.1 تريليون دولار بحلول عام 2036، بالتزامن مع اتساع العجز السنوي إلى 3.1 تريليونات دولار. استمرار ارتفاع الدين والفوائد يطرح تحديات تتعلق بقدرة الحكومات المقبلة على تمويل أولوياتها. تزداد أهمية هذه التحديات مع تقدم السكان في العمر وارتفاع نفقات برامج التقاعد والرعاية الصحية. معالجة الدين العام مرتبطة بكيفية توزيع الأعباء والموارد بين الفئات المختلفة والأجيال المتعاقبة.
قد يستطيع الناخب الأمريكي محاسبة السياسيين على الضرائب والخدمات، لكن محاسبتهم على تكلفة الديون تبدو أكثر تعقيداً. تظهر التخفيضات الضريبية والوعود الاقتصادية بوضوح خلال الحملات الانتخابية، لكن تكاليف تمويلها لا تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام. يصبح السؤال المطروح على الناخب قبل الانتخابات النصفية: من سيستفيد من هذه السياسات ومن سيدفع ثمنها في النهاية؟
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد