قطر
اقتصاد

المغرب في مواجهة اقتصاد الكاش: 56 مليار دولار نقداً وتحديات التحول الرقمي

الجزيرة٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٥:٥٠ م0 مشاهدة
المغرب في مواجهة اقتصاد الكاش: 56 مليار دولار نقداً وتحديات التحول الرقمي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "56 مليار دولار نقدا.. كيف يواجه المغرب اتساع اقتصاد الكاش؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

على الرغم من التوسع في وسائل الدفع الإلكتروني وتشديد الإجراءات الضريبية لتشجيع المعاملات البنكية، لا يزال النقد الورقي يسجل مستويات قياسية في المغرب. تجاوز حجم الأموال النقدية المتداولة 550 مليار درهم (حوالي 56 مليار دولار) بنهاية أغسطس/آب 2026، مما يثير تساؤلات حول فعالية السياسات المتبعة في تغيير عادات الدفع لدى المغاربة وتقليل الاعتماد على النقد. في غضون ذلك، يواصل بنك المغرب دراسة مشروع الدرهم الرقمي، الذي يُعول عليه لتطوير منظومة الدفع وتعزيز الشمول المالي، دون تحديد موعد لإطلاقه.

أرجع بنك المغرب استمرار ارتفاع تداول النقد إلى عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية متجذرة، مؤكداً أن "لا يمكن الحديث عن تحديد أهداف رقمية لخفض تداول النقد، لا سيما أن استعمال العملة الائتمانية هو حق أساسي لجميع المواطنين".

لماذا يتوسع اقتصاد الكاش؟

يربط البنك المركزي المغربي استمرار الاعتماد على النقد بعوامل بنيوية، تشمل حجم القطاع غير المهيكل، والنظام الضريبي، ومستوى الشمول المالي، بالإضافة إلى العادات المرتبطة بالدفع وتفضيل فئات واسعة من المواطنين التعامل بالأوراق النقدية. ويوضح البنك المركزي أن "اكتناز السيولة يشكل بدوره أحد العوامل المؤثرة في ارتفاع النقد المتداول، لا سيما خلال فترات عدم اليقين الاقتصادي، على غرار ما شهدته البلاد خلال جائحة كورونا".

يميز البنك المركزي بين ارتفاع النقد وتراجع الأداء الإلكتروني، مؤكداً أن "ارتفاع التداول النقدي لا يعكس بالضرورة تراجعاً في استخدام وسائل الأداء الإلكتروني"، إذ يمكن أن يرتفع الاثنان بالتوازي. وتدعم الأرقام هذا التفسير؛ فقد ارتفع عدد عمليات الدفع بالبطاقات البنكية بنسبة 20% خلال عام 2025، ليبلغ 230.1 مليون عملية بقيمة 70.8 مليار درهم (حوالي 7.2 مليارات دولار)، في حين بلغ عدد عمليات السحب النقدي بواسطة البطاقات 450 مليون عملية، بقيمة إجمالية قدرها 460 مليار درهم (حوالي 46.9 مليار دولار).

تكشف هذه المقارنة استمرار هيمنة السحب النقدي على استخدام البطاقات البنكية، إذ مثلت عمليات السحب 66% من مجموع العمليات بالبطاقات خلال عام 2025، مقابل 34% لعمليات الأداء. ويرى الخبير الاقتصادي محمد جدري أن "الإفراط في استعمال النقد يحمل تداعيات اقتصادية متعددة، من بينها ضياع مداخيل ضريبية، وإضعاف المنافسة بين المؤسسات المهيكلة والأنشطة غير المهيكلة، فضلاً عن مخاطر استغلال المعاملات النقدية في غسل الأموال والأنشطة غير المشروعة".

ويربط جدري استمرار الظاهرة بـ"محدودية الولوج إلى الخدمات البنكية وضعف الثقة في بعض وسائل الأداء الإلكتروني، خصوصاً لدى الفئات التي تخشى التعرض للاحتيال أو الاختراق الإلكتروني". وتظهر بيانات بنك المغرب أن نسبة امتلاك الحسابات البنكية بين الأفراد المقيمين بلغت 62% عام 2025، مما يعني أن شريحة مهمة من السكان البالغين لا تزال خارج منظومة الحسابات البنكية التقليدية.

يؤكد البنك المركزي أن "تقليص تداول النقد لا يمثل غاية مستقلة، وإنما وسيلة لتوجيه السيولة نحو قنوات الاقتصاد المهيكل، ودعم تمويل الأنشطة الاقتصادية والحد من التكاليف والمخاطر المرتبطة باستعمال الأوراق النقدية". ويشدد البنك على أن ضمان توفر النقد يبقى من مسؤولياته الأساسية، مشيراً إلى أن "متوسط جاهزية الشبابيك الأوتوماتيكية للبنوك بلغ 95% بنهاية يونيو/حزيران 2026".

وكشف بنك المغرب أن صافي السحوبات من الشبابيك الأوتوماتيكية خلال فترة عيد الأضحى، الممتدة من 13 إلى 27 مايو/أيار 2026، بلغ 27.2 مليار درهم (نحو 2.8 مليار دولار)، مقابل 21.4 مليار درهم (نحو 2.2 مليار دولار) خلال الفترة المماثلة من عام 2024، و19.3 مليار درهم (نحو ملياري دولار) عام 2023، مما يعكس تنامي الطلب على النقد خلال هذه المناسبة.

من محلات البقالة إلى الدفع الإلكتروني

في مواجهة الاعتماد الواسع على النقد، اتجهت السلطات المغربية إلى تخفيض تكلفة الدفع الإلكتروني وتوسيع نطاق استعماله، خصوصاً لدى التجار الصغار الذين تشكل المعاملات النقدية الجزء الأكبر من أنشطتهم اليومية. وفي هذا السياق، دخل قرار تنظيمي جديد حيز التنفيذ في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026، يقضي بتخفيض السقف العام لرسوم التبادل بين البنوك على المدفوعات المحلية بالبطاقات من 0.65% إلى 0.5% دون احتساب الضرائب، مع اعتماد سقف خاص قدره 0.15% للمدفوعات المرتبطة بالخدمات الحكومية الإلكترونية والعمليات المؤهلة لدى تجار القرب.

يوضح البنك المركزي أن الهدف من اعتماد السقف الخاص بتجار القرب هو خفض تكلفة المدفوعات الإلكترونية، وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية، وتشجيع انتشارها لدى المقاولات الصغيرة جداً والتجار المستقلين. ويلزم القرار التنظيمي الشركات المشرفة على المعاملات الإلكترونية بأن ينعكس انخفاض رسوم التبادل بالكامل على عمولات التحصيل المفروضة على التجار، وكذلك على العمليات المتعلقة بالخدمات الحكومية الإلكترونية، بما يضمن تمرير التخفيضات المقررة إلى الجهات المعنية.

وتشير أحدث البيانات إلى ارتفاع عمليات الدفع عبر الأجهزة الإلكترونية لدى التجار إلى 184.5 مليون عملية عام 2025، بقيمة 58.6 مليار درهم (نحو 6 مليارات دولار)، مقابل 153.3 مليون عملية بقيمة 52.2 مليار درهم (نحو 5.3 مليارات دولار) في العام السابق. وفي المقابل، بلغ عدد أجهزة الدفع الإلكتروني 81,259 جهازاً بنهاية عام 2025، بانخفاض نسبته 14%، ارتبط خصوصاً بإعادة تنظيم حظيرة الأجهزة واستبعاد غير النشط منها، بينما ارتفعت نسبة تفعيل الأجهزة من 72% إلى 93%.

لكن انتشار الأجهزة لا يكفي وحده لتغيير عادات الدفع، بحسب الخبير الاقتصادي محمد جدري، الذي يشير إلى أن تكلفة الخدمات ظلت عائقاً أمام بعض التجار، خاصة عندما تكون هوامش الربح محدودة. ويرى أن تقليص استعمال النقد يقتضي معالجة هذه التكاليف، بالتوازي مع توسيع الولوج إلى الخدمات البنكية وتعزيز ثقة المواطنين في سلامة المعاملات الإلكترونية. وفيما يتعلق بدعم التجار الصغار، كشف بنك المغرب أنه سيتم الشروع في تنزيل صندوق تنمية قبول المدفوعات الإلكترونية عبر مرحلة تجريبية.

ضرائب لدفع المعاملات نحو البنوك

بموازاة الحوافز المرتبطة بتوسيع الدفع الإلكتروني، دخل المغرب مرحلة جديدة في تشجيع توثيق المعاملات المالية، من خلال إجراءات ضريبية تستهدف بعض عمليات البيع التي لا تستوفي شروط تتبع وسائل الأداء. ومنذ 1 يوليو/تموز 2026، أصبح يطبق رسم تسجيل إضافي بنسبة 2% على عمليات نقل ملكية العقارات والحقوق العينية العقارية التي يتجاوز ثمنها 300 ألف درهم (نحو 30.6 ألف دولار)، وعلى تفويت الأصول التجارية، عندما لا تتضمن العقود بيانات وسائل الأداء ومراجعها أو تُسوى بوسائل غير مقبولة ضريبياً.

وتبرز هذه المقتضيات توجهاً نحو تعزيز قابلية تتبع المعاملات المالية وإدخال الأموال إلى القنوات البنكية، أكثر من استهداف التداول النقدي بصورة مطلقة. وتكتسي هذه الإجراءات أهمية في سياق مخاوف مرتبطة بتوسع المعاملات غير المصرح بها، وما قد ينجم عنها من تهرب ضريبي أو صعوبات في تتبع مصادر الأموال. وكانت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها قد نبهت، في مايو/أيار 2025، إلى أن الاستعمال المكثف للنقد في المبادلات الاقتصادية قد يُسهّل بعض الممارسات المرتبطة بالفساد، بسبب صعوبة تتبع هذه المعاملات.

الدرهم الرقمي.. مشروع يتقدم بحذر

يواصل بنك المغرب العمل على مشروع الدرهم الرقمي، باعتباره خياراً محتملاً لتطوير منظومة الأداء على المدى الطويل. وكشفت دراسة حديثة أعدها باحثون بالبنك المركزي المغربي عن نتائج تجارب تقنية أولية أثبتت إمكانية تطوير درهم رقمي موجه للاستخدام اليومي، من خلال اختبار إصدار العملة وتوزيعها عبر الوسطاء الماليين وحفظها في محافظ رقمية وإجراء التحويلات بين الأفراد.

حدد البنك 3 أهداف رئيسية محتملة للدرهم الرقمي، تتمثل في "تعزيز الشمول المالي والحد من الاعتماد على النقد، وتحسين كفاءة منظومة الأداء وقدرتها التنافسية، وتيسير تحويلات الأموال التي يقوم بها المغاربة المقيمون بالخارج". وفي هذا السياق، أجرى البنك المركزي تجربة للمدفوعات العابرة للحدود، بالشراكة مع البنك المركزي المصري وبدعم من البنك الدولي، بهدف اختبار إمكانية تقليص تكاليف التحويلات الدولية وآجال إنجازها، وتحسين الترابط بين أنظمة الأداء في البلدين.

أما على مستوى الاستخدام الداخلي، فيوضح بنك المغرب أن "الدرهم الرقمي يمكن أن يوفر للأفراد وسيلة دفع وتحويل فورية وآمنة ومنخفضة التكلفة، مع إمكانية تطوير وظائف تسمح بإجراء المعاملات دون اتصال بالإنترنت". وتبرز أهمية هذه الخاصية بالنسبة للمناطق التي تعاني محدودية الاتصال بالشبكة، وكذلك للفئات التي لا تستفيد بشكل كاف من الخدمات البنكية التقليدية.

ويؤكد بنك المغرب أن أعماله الحالية "تندرج ضمن منظور طويل الأمد، يقوم على التدرج والتحكم في المخاطر والتشاور مع مختلف الأطراف المعنية"، مشدداً على أن "إطلاق العملة الرقمية مستقبلاً يبقى رهيناً باستيفاء متطلبات مؤسساتية وقانونية وتكنولوجية وتشغيلية، دون تحديد جدول زمني لإطلاقها".

وبين خفض الرسوم على المدفوعات الإلكترونية، وتشديد شروط توثيق الصفقات العقارية، واستكشاف إمكانات الدرهم الرقمي، تتعدد الآليات التي يعتمدها المغرب لتقليص الاعتماد على النقد. غير أن التحدي يبقى في تحويل هذه المبادرات إلى تغيير ملموس في المعاملات اليومية، بحيث يصبح الدفع الإلكتروني خياراً متاحاً ومقبولاً ومجدياً لكل من التاجر والمستهلك.

شارك الخبر: