أساقفة يعتذرون: "تم استغلالنا سياسياً" في صورة صلاة مع ترامب


هذا الخبر بعنوان ""تم استغلالنا سياسيا".. أساقفة يعتذرون عن صورة الصلاة مع ترمب" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثار ظهور 12 أسقفًا كاثوليكيًا وهم يصلّون حول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المكتب البيضاوي موجة من الجدل السياسي والديني في الولايات المتحدة، بعدما نشرت إدارة البيت الأبيض صورًا ومقطع فيديو للقاء، الذي قيل إنه كان مخصصًا لمناقشة قضايا تتعلق بالهجرة وحقوق العاملين الدينيين وكرامة الإنسان. وبعد أيام من الاجتماع الذي عُقد في 22 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، سارع عدد من رجال الدين المشاركين إلى توضيح مواقفهم والاعتذار عن المشاركة، معربين عن خشيتهم من توظيف المشهد لأغراض سياسية وانتخابية، قبل أقل من أسبوعين على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وكشفت ردود الفعل عن حساسية العلاقة بين الدين والسياسة في الولايات المتحدة، خصوصًا في ظل سعي ترامب إلى الحفاظ على دعم الناخبين الكاثوليك، في وقت تتزايد فيه الخلافات بين إدارته وقيادات كاثوليكية بشأن الهجرة والسياسة الخارجية. وحظيت أزمة الأساقفة الكاثوليك باهتمام بارز في التغطية الصحفية، وتحديدًا من مجلتي تايم ونيوزويك اللتين أجمعتا على التنويه إلى أن هذا اللقاء الذي كان يُفترض أن يكون مغلقًا لمناقشة قضايا جادة تحول إلى فخ دعائي استغلته إدارة ترامب سياسيًا قبيل الانتخابات، مما أجبر الأساقفة على التراجع وتقديم اعتذارات علنية.
وانفردت تايم بوضع الحدث في سياقه السياسي والإحصائي، حيث سلطت الضوء على تراجع تأييد ترمب بين الناخبين الكاثوليك حسب لغة الأرقام، وكشفت عن دور مؤسسة "هيريتدج" في ترتيب اللقاء. وفي المقابل، تميزت نيوزويك بقراءة تحليلية لـ"حرب الصورة والرموز"، مبرزة المفارقة في وقوع الأساقفة -وهم سادة الطقوس والرموز الدينية- ضحية لآلة ترمب الدعائية التي تجيد تفريغ المشهد الديني من محتواه اللاهوتي لتحويله إلى أيقونة انتخابية بحتة.
كان رئيس أساقفة ميلووكي، جيفري غروب، من أبرز الذين عبّروا عن ندمهم على المشاركة. ففي اعتذار علني نشره الأحد، قال إنه يشعر بـ"أسف عميق" إزاء ما حدث، موضحًا أن اللقاء لم يكن مقصودًا به تأييد الرئيس أو سياساته أو حزبه السياسي.
وأشار غروب إلى أن الاجتماع كان يفترض أن يكون خاصًا، وأن الدعوة وصلته عبر مؤسسة "هيريتيج"، وهي مؤسسة بحثية محافظة ارتبط اسمها بوضع مشروع السياسات المعروف باسم "مشروع 2025". وقال إن المشاركين أُبلغوا بإمكانية الصلاة مع الرئيس بصورة خاصة، لكنهم لم يكونوا على علم بأن مقطع فيديو سيُسجّل وينشر علنًا، مضيفًا أن الإذن بنشر الصور أو الفيديو لم يصدر عن الأساقفة.
وحمّل غروب البيت الأبيض مسؤولية وضع رجال الدين في هذا الموقف، معتبرًا أنه "ما كان ينبغي للبيت الأبيض أن يضع الأساقفة في هذا الموقف". وتكمن أهمية هذا الاعتراض في أن نشر المشهد منح اللقاء دلالة سياسية تتجاوز، وفق رواية الأساقفة، الغرض الأصلي منه، فظهور رجال دين بارزين وهم يحيطون بالرئيس ويصلّون من أجله يمكن أن يُفهم باعتباره تعبيرًا عن الدعم، حتى وإن لم يصدر عنهم أي تأييد صريح.
ولم يرد البيت الأبيض مباشرة على سؤال بشأن الحصول على موافقة الأساقفة قبل نشر الصور والفيديو. لكن المتحدثة باسمه، تايلور رودجرز، قالت لمجلة تايم إنه "لم يكن هناك رئيس أفضل من الرئيس ترامب للأمريكيين الكاثوليك"، مستشهدة، من بين أمور أخرى، بالعفو عن ناشطين مناهضين للإجهاض.
وبدوره، عبّر أسقف دي موين، ويليام يوانسن، عن استيائه من الطريقة التي استُخدم بها اللقاء، مشيرًا إلى أنه حضر بناء على معلومات تفيد بأن الاجتماع سيتيح مناقشة قضايا مهمة والاستماع إلى وجهة نظر الكنيسة. وقال إن هناك جوانب عديدة في إدارة ترامب "تتعارض بوضوح مع إيماننا الكاثوليكي"، مؤكدًا أن مشاركة الأساقفة لم تكن تهدف إلى تأييد أي حزب سياسي أو مرشح بعينه.
وأضاف، في إشارة إلى من رأى أنهم استغلوا الاجتماع لتحقيق أهداف حزبية: "كنت أتمنى لو كنت أكثر حنكة وأقل سذاجة، مثل أولئك الذين استغلوا لقاءنا لأغراض سياسية حزبية". ويكشف هذا التصريح عن جوهر الأزمة، فالاعتراض لا يتعلق بمجرد نشر صور من اجتماع ديني، بل بالخوف من تحويل الحضور الكنسي إلى رسالة انتخابية، في توقيت يمكن أن يحمل فيه أي ظهور علني مع الرئيس دلالات تتجاوز النية الشخصية للمشاركين.
أما رئيس أساقفة دنفر، جيمس غولكا، الذي قاد الصلاة في المكتب البيضاوي، فقال إنه يتفهم أن كثيرين اعتبروا الفيديو، الذي نشرته الإدارة قبل 12 يومًا من الانتخابات، بمثابة تأييد لترامب، لكنه شدد على أن ذلك لم يكن مقصده. وأضاف: "أنا فقط أجيب: كنت أتصرف بصفتي كاهنًا كاثوليكيًا، نحن نصلّي من أجل الناس".
وفي السياق نفسه، شددت مواقف كنسية أخرى على أن الصلاة من أجل المسؤولين لا تعني بالضرورة تأييدهم سياسيًا، فيما أكدت الكنيسة الكاثوليكية الأمريكية أن الاجتماع لم تنظمه ولم تكن لها صلة به.
وتقدم مجلة نيوزويك، في تحليلها للواقعة، قراءة أكثر نقدية لدور الصورة في توظيف الرموز الدينية سياسيًا، معتبرة أن ترمب يدرك جيدًا القيمة الدعائية للمشاهد التي تربطه بالمؤسسات الدينية. وتحت عنوان "رسل ترمب الـ12 يتوبون بالفعل"، تقارن المجلة بين الأساقفة الـ12 الذين أحاطوا بالرئيس وبين المشاهد الدينية المستوحاة من الروايات الإنجيلية، مشيرة إلى أن عدد المشاركين والصورة التي ظهروا فيها قدّما مشهدًا رمزيًا لافتًا، بصرف النظر عن نياتهم الفعلية.
وتلفت القراءة إلى أن ترمب سبق أن استخدم الرموز المسيحية في مناسبات سياسية، من بينها ظهوره حاملاً الكتاب المقدس أمام كنيسة القديس يوحنا الأسقفية في واشنطن عام 2020، خلال احتجاجات أعقبت مقتل جورج فلويد، فضلاً عن الترويج لاحقًا لنسخة من الكتاب المقدس حملت اسم "فليبارك الرب أمريكا" وأُرفقت بوثائق تأسيسية أمريكية.
وترى المجلة أن الأساقفة وقعوا في تقدير خاطئ لدلالات ظهورهم إلى جانب الرئيس، إذ إن توضيح النية بعد انتشار الصور لا يضمن تغيير الانطباع الذي تكوّن لدى الجمهور. وتختصر هذه الإشكالية المفارقة التي أبرزها التقرير: فالكنيسة تعتمد على الرموز والطقوس بوصفها وسائل تحمل معاني تتجاوز الكلمات، لكن هذه الرموز نفسها يمكن أن تُستخدم في المجال السياسي لإيصال رسائل لم يقصد المشاركون توجيهها. وبهذا المعنى، لا يتعلق الجدل فقط بما قيل خلال الاجتماع، بل أيضًا بما أظهرته الكاميرا للجمهور، وكيف يمكن للصورة أن تتحول إلى أداة للتأثير السياسي.
ولا تنفصل الأزمة عن توترات أوسع بين إدارة ترمب وقيادات كاثوليكية أمريكية، خصوصًا بشأن سياسات الهجرة والحروب والسياسة الخارجية. ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وافق مؤتمر الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة بأغلبية ساحقة على رسالة خاصة تعارض الترحيل الجماعي العشوائي للمهاجرين، وحذّر الأساقفة فيها من آثار الاحتجاز والفصل بين أفراد الأسر وفقدان الوضع القانوني، فضلاً عن صعوبات الوصول إلى الرعاية الرعوية.
كما أثارت إجراءات تشديد إنفاذ قوانين الهجرة انتقادات دينية، بعدما ألغت إدارة ترمب توجيهات سابقة كانت تحدّ من عمليات الاعتقال في أماكن حساسة، من بينها المدارس والكنائس والمستشفيات. وفي مجال السياسة الخارجية، عبّر عدد من كبار رجال الدين الكاثوليك عن مخاوفهم بشأن استخدام القوة العسكرية، ودعوا إلى تسويات تفاوضية في النزاعات الدولية، في مواقف تقاطعت مع انتقادات البابا ليو الرابع عشر لبعض سياسات الإدارة الأمريكية، خصوصًا في ملف الهجرة والحرب مع إيران.
ويأتي ذلك بينما تشير بيانات أوردتها تايم إلى تراجع نسبة تأييد ترامب بين الناخبين الكاثوليك إلى 30% في أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعدما بلغت 47% عند عودته إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025. ويكتسب هذا التراجع أهمية انتخابية، إذ يشكل الكاثوليك نحو خُمس البالغين في الولايات المتحدة، كما أظهرت نتائج انتخابات الرئاسة عام 2024 أن ترمب حصل على 55% من أصواتهم، مقابل 43% لمنافسته الديمقراطية كامالا هاريس.
ويقول ديفيد غيبسون، مدير مركز الدين والثقافة بجامعة فوردهام، إن "التصويت الكاثوليكي مهم للغاية في السياسة الانتخابية الأمريكية، وخصوصا في انتخابات التجديد النصفي". وأضاف أن الناخبين الكاثوليك أكثر قابلية للتحول بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي مقارنة ببعض الكتل الدينية الأخرى، مما يجعل الحفاظ على دعمهم مسألة مهمة للحزبين.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الخلاف حول صلاة الأساقفة لا يمكن اختزاله في جدل بشأن صور نُشرت دون موافقة أصحابها، وفق روايتهم، فهو يعكس أيضًا صراعًا على المعنى السياسي للرموز الدينية، وحدود العلاقة بين الكنيسة والسلطة. وبينما يصر الأساقفة على أن الصلاة من أجل الرئيس لا تعني تأييد سياساته، فإن الأزمة أظهرت صعوبة الفصل بين النية الدينية والتوظيف السياسي في موسم انتخابي حساس، حيث قد تصبح صورة واحدة أكثر تأثيرا من سلسلة طويلة من التوضيحات والاعتذارات.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة