تجمع "آر 4" و"إي 3" في إسطنبول: هل يمهد الطريق لبنية أمنية إقليمية جديدة؟


هذا الخبر بعنوان "هل يشكل تجمع "إي 3″ و"آر 4" في إسطنبول بنية جديدة للأمن الإقليمي؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير تحليل إلى أن اجتماع إسطنبول بين وزراء خارجية مجموعة "آر 4" (السعودية، مصر، تركيا، باكستان) ومجموعة "إي 3" (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) قد يمثل فرصة لتأسيس تحالف استراتيجي يقلل الاعتماد على واشنطن في حماية الأمن الإقليمي. يكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا اللقاء في إمكانية بناء صيغة جديدة للتفاعل بين القوى الإقليمية الشرق أوسطية والأوروبية في إدارة أزمات الشرق الأوسط، خاصة في ظل الإحباط المشترك من الأداء السياسي الأمريكي في ملفي إيران وأوكرانيا.
يطرح التقاء هاتين المجموعتين سؤالاً يتجاوز جدول الأعمال المباشر: هل تتجه المنطقة نحو إعادة تشكيل بنيتها الأمنية، من نظام يعتمد على الضمانات الأمريكية والتحالفات الثنائية، إلى ترتيبات متعددة الأطراف تتوزع فيها مسؤولية الاستقرار؟ استضافة إسطنبول لهذا اللقاء الأول من نوعه بمبادرة تركية تعد إشارة استراتيجية لرغبة الأطراف السبعة في توسيع قنوات التنسيق خارج الأطر التقليدية. تشمل الملفات المطروحة القضية الفلسطينية، وتطورات اليمن، وأمن مضيق هرمز، وسبل التعامل مع الحرب الروسية الأوكرانية، وهي ملفات تربط بين الأمن الإقليمي والاستقرار الدولي.
يكمن الاختبار الحقيقي في ما إذا كانت هذه الصيغة ستتحول إلى أداة فاعلة تعزز قدرة دول المنطقة على حماية مصالحها والمساهمة في صناعة الاستقرار، أم ستبقى مجرد منصة.
تنبع أهمية هذا الاحتمال من التحولات التي أصابت البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط، وارتباط أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية ارتباطاً وثيقاً بالمصالح الأوروبية مثل الطاقة والتجارة، وتأثرها بالصراعات الإقليمية والتنافس الدولي. في هذه البيئة المضطربة، لم تعد قدرة الدولة على حماية مصالحها مرتبطة بقوتها العسكرية وحدها، بل بقدرتها على بناء شبكات من الشراكات، وتوسيع هامش المناورة، والتأثير في القرارات التي تتشكل خارج حدودها.
يمكن النظر إلى صيغة "آر 4+إي 3" باعتبارها محاولة محتملة للجمع بين شرعية المصالح المباشرة التي تمتلكها دول المنطقة، وأدوات التأثير الدبلوماسي والاقتصادي والمؤسسي التي تمتلكها القوى الأوروبية ذات الارتباط الأقوى بثروات الخليج والشرق الأوسط. ومع ذلك، لا تمثل هذه الصيغة في مرحلتها الحالية تحالفاً استراتيجياً مكتملاً أو قطباً دولياً جديداً؛ فمجرد اجتماع دول ذات ثقل جغرافي واقتصادي وعسكري لا يكفي لإنتاج قوة جماعية، إذ يتطلب ذلك توافقاً على تعريف التهديدات، وقواعد لإدارة الخلافات، وآليات مستمرة للتشاور والتنفيذ.
تكمن المفارقة في أن اختلاف مصالح الدول المشاركة قد يكون مصدر قوة للصيغة، لأنه يتيح لها الجمع بين أطراف تمتلك قنوات تأثير متعددة، لكنه قد يتحول إلى مصدر ضعف إذا تعذر التوفيق بين أولوياتها. فالسعودية وتركيا ومصر وباكستان لا تتطابق حساباتها في جميع الملفات، كما أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا لا تتبنى بالضرورة مقاربة واحدة تجاه إيران أو النزاعات الإقليمية أو حدود استخدام الأدوات الاقتصادية والعسكرية. ولذلك، ستتحدد القيمة الحقيقية للتجمع بقدرته على تنظيم هذه الاختلافات، لا بمجرد إظهار التوافق في البيانات السياسية.
من منظور جيوسياسي، يوفر التكوين الجغرافي للمجموعة أساساً للتعاون يتجاوز الاعتبارات الدبلوماسية. فالسعودية تمثل مركز ثقل طاقي واقتصادي في الخليج والبحر الأحمر، وتركيا تشكل عقدة استراتيجية بين أوروبا وآسيا، ومصر تتحكم في أحد أهم الممرات البحرية العالمية عبر قناة السويس، فيما تضيف باكستان امتداداً عسكرياً آسيوياً على بحر العرب. أما الدول الأوروبية الثلاث، فتمتلك أدوات اقتصادية ودبلوماسية وقدرات مؤسسية تتيح لها التأثير في القرارات الدولية. ويخلق هذا التداخل إمكانات لتصور أمني أوسع يربط مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس بالأسواق الأوروبية والآسيوية. غير أن الترابط الجغرافي لا ينتج تلقائياً تعاوناً سياسياً؛ إذ يحتاج إلى تحويله إلى نفوذ جماعي، وإلى قواعد مشتركة، وتنسيق مستمر، وقدرة فعلية على تنفيذ القرارات.
تبرز السعودية بوصفها الطرف الأكثر أهمية في قراءة الدلالات الاستراتيجية للصيغة الجديدة، نظراً لتحدياتها الأمنية والاستراتيجية في اليمن وباب المندب ومضيق هرمز. فالمملكة لا تواجه تحدياً أمنياً محصوراً في حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية، بل تواجه سؤالاً أوسع يتعلق بموقعها في النظام الإقليمي الذي يحدد أمن الخليج والبحر الأحمر وتدفقات الطاقة والتجارة. وقد أظهرت التحولات الأخيرة أن الاعتماد على الشراكات الخارجية، مهما بلغت أهميتها، لا يغني عن بناء قدرة وطنية على الردع، ولا عن توسيع شبكة العلاقات بما يمنع انفراد طرف واحد بتحديد الخيارات المتاحة أمام الرياض.
وقد أظهر الدعم البريطاني الفرنسي لأمن المملكة دليلاً ساطعاً على صدق هذا التوجه. ومن ثم، فإن انخراط المملكة في صيغة تجمع قوى إقليمية ودول أوروبية يمكن أن يخدم توجهاً سعودياً أوسع نحو الاستقلال الاستراتيجي؛ لا بمعنى الانفصال عن الولايات المتحدة أو استبدال شريك بآخر، بل بمعنى تنويع مصادر النفوذ، وتوسيع حرية القرار، وتقليل الاعتماد على قناة واحدة في إدارة المصالح الأمنية. ويقتضي ذلك التمييز بين ثلاثة مستويات للأمن السعودي: الأول هو الدفاع الوطني، بما يتطلبه من قدرات ذاتية لحماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية والممرات البحرية. والثاني هو الردع الإقليمي، الذي يمكن أن يستفيد من التعاون الدفاعي والتشاور الأمني مع شركاء مثل مصر وتركيا وباكستان. أما المستوى الثالث، وهو الأكثر اتصالاً بصيغة "آر 4+إي 3"، فيتمثل في التأثير في البيئة السياسية والدبلوماسية التي تتشكل داخلها المخاطر الإقليمية.
فالتنسيق مع مصر وتركيا وباكستان، إلى جانب بريطانيا وفرنسا وألمانيا، قد يتيح للسعودية توسيع دائرة الأطراف التي ترى استقرار الخليج والبحر الأحمر مصلحة مشتركة، وزيادة قدرتها على حشد الدعم السياسي والاقتصادي عند الأزمات، بعد الابتعاد الأوروبي عن واشنطن في الحرب الأخيرة. لكن هذا لا يعني أن الدول السبع أصبحت ملتزمة بالدفاع عن المملكة عسكرياً، أو أن الاجتماع أنشأ ضمانات أمنية جديدة؛ فهذه نتائج تتطلب اتفاقات صريحة وآليات تنفيذية لا توفرها المشاورات الوزارية الحالية وحدها. وبالنسبة إلى الرياض والقاهرة، فإن الفرصة الاستراتيجية لا تكمن في المشاركة في التجمع فحسب، بل في التأثير في أولوياته. فالمملكة ومصر تستطيعان الدفع باتجاه ربط أمن الخليج وأمن البحر الأحمر بالأمن الأوروبي، وتوسيع التعاون بشأن حماية البنية التحتية والملاحة، وتحويل الاستقرار الإقليمي إلى مصلحة مشتركة لعدد أكبر من القوى الدولية. وهذا يمنح الرياض والقاهرة فرصة للانتقال من موقع الدولة التي تتكيف مع ترتيبات أمنية يضع الآخرون شروطها، إلى موقع الدولة التي تسهم في تحديد القواعد والأولويات.
لا تقل أهمية موقع مصر في هذه الصيغة عن أهمية موقع السعودية، وإن اختلفت طبيعة دورهما. فالقاهرة تمثل بوابة البحر الأحمر إلى المتوسط، وتتحكم عبر قناة السويس في شريان بحري عالمي يربط آسيا بأوروبا، ما يجعل أمن الملاحة والتصعيد في البحر الأحمر ومضيق باب المندب مسألة مصيرية لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية. كما أن استقرار السودان وليبيا وغزة، وضبط ملفات الهجرة والإرهاب والتهريب، يمنح مصر مصلحة مباشرة في أي ترتيب إقليمي يهدف إلى إدارة الأزمات بدل الاحتواء المؤقت لها. وتسعى مصر، من خلال انخراطها في "آر 4"، إلى ترسيخ موقعها بوصفها قوة إقليمية محورية لا تكتفي بالتفاعل مع الأزمات، بل تسهم في صياغة توازناتها. كما يتيح لها التنسيق مع السعودية وتركيا وباكستان تعزيز ثقلها في ملفات البحر الأحمر والخليج، فيما يفتح الحوار مع "إي 3" مساحة للتأثير في المواقف الأوروبية تجاه ملفات الصراع الإقليمي وفي مقدمتها قضية غزة والقضية الفلسطينية. غير أن نجاح هذا الدور يظل مشروطاً بقدرة القاهرة على تحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ سياسي واقتصادي مستدام، وتجنيب العلاقات مع القوى الكبرى منطق الانحياز الأحادي، والحفاظ على مرونة قراراتها في بيئة دولية شديدة التنافس.
تزداد أهمية هذا التمييز عند النظر إلى العلاقة بين "آر 4+إي 3" واتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان. فالصيغة الجديدة يمكن أن تؤدي وظيفة دبلوماسية أوسع في إدارة الأزمات وبناء التفاهمات الدولية، بينما تتركز وظيفة اتفاقية مكة الدفاعية في التعاون الأمني والعسكري بين أطرافها وفق الالتزامات التي تقررها. وقد نصت الاتفاقية على اعتبار أي هجوم مسلح على أحد الأطراف الثلاثة هجوماً عليها جميعاً، مع التوسع في التعاون الدفاعي والتدريب وتبادل المعلومات وصناعات الدفاع. وإذا تطور المساران بصورة متكاملة، فقد تنشأ بنية متعددة المستويات تجمع بين الردع والتنسيق الدفاعي من جهة، والدبلوماسية وإدارة الأزمات من جهة أخرى. أما افتراض وجود قيادة مشتركة أو تسلسل مؤسسي يربط الصيغتين، فلا يستند إلى ما يكفي من المعطيات المعلنة؛ إذ يظل كل مسار محكوماً بأهدافه وحدوده المؤسسية الخاصة.
تبقى استدامة "آر 4+إي 3" الاختبار الحاسم. فالتاريخ الدبلوماسي يبين أن بعض الأطر المصغرة تنشأ تحت ضغط أزمة محددة ثم تتراجع بانحسارها، بينما تتحول أخرى إلى آليات مستمرة عندما تتوافر لها مصالح مشتركة تتجاوز الظرف المؤقت. ولكي تنتقل هذه الصيغة من منصة للتشاور إلى آلية دولية مؤثرة، فإنها تحتاج إلى اجتماعات دورية، وقنوات اتصال عند الأزمات، ومجموعات عمل متخصصة، وآليات لمتابعة تنفيذ التفاهمات. كما تحتاج إلى جدول أعمال مستدام يشمل أمن الملاحة والطاقة والبنية التحتية الحيوية، إلى جانب فلسطين واليمن والتصعيد في الخليج، من دون اشتراط تطابق الدول المشاركة في جميع الملفات. فالمؤسسية الناجحة لا تعني إلغاء الخلافات، بل إنشاء قواعد تسمح بالتعاون رغم استمرارها.
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل التجمع: أن يبقى منصة سياسية تصدر مواقف مشتركة عند الأزمات، أو أن يتطور إلى آلية مرنة لتنسيق السياسات الدبلوماسية والأمنية، أو أن يتقدم تدريجياً نحو ترتيبات أكثر استدامة لإدارة الأزمات والتعاون العملي. ويبدو المسار الثاني الأكثر واقعية في المدى المنظور، لأنه لا يتطلب إنشاء حلف عسكري جديد أو التزامات يصعب على الدول المشاركة قبولها، لكنه يمنحها في الوقت نفسه قدرة أكبر على التنسيق. أما الانتقال إلى بنية أمنية أوسع، فيظل احتمالاً مشروطاً بقدرة المجموعة على إفراز نتائج ملموسة، لا بمجرد استمرار الاجتماعات. فالفرق بين منصة دبلوماسية وآلية استراتيجية لا يقاس بعدد الاجتماعات، بل بقدرة الأطراف على تحويل التفاهمات إلى سياسات وإجراءات قابلة للقياس.
لا يمثل "آر 4+إي 3" حتى الآن تحولاً مكتملاً في بنية الأمن الإقليمي، لكنه قد يكون مؤشراً على محاولة بناء تعددية أمنية أكثر مرونة، تتشارك فيها القوى الإقليمية والدولية بمسؤولية إدارة المخاطر من دون أن تتخلى عن استقلال قراراتها. والسؤال الجوهري ليس ما إذا كان هذا التجمع سيحل محل النظام الأمني القائم، بل ما إذا كان سيضيف إليه طبقة جديدة من التنسيق تقلل الاعتماد على الترتيبات الثنائية، وتوسع خيارات الدول الإقليمية، وتمنحها دوراً أكبر في صناعة الاستقرار.
في المحصلة، قد يكون اجتماع إسطنبول أكثر من مجرد محطة دبلوماسية عابرة؛ فهو يعكس تحولاً أعمق في بنية النفوذ الدولي تجاه الشرق الأوسط. فبعد نحو 75 عاماً من الزحزحة الأمريكية للأدوار الأوروبية في المنطقة، تبدو أوروبا عائدة إلى ملفاتها الاستراتيجية، لا بوصفها قوة احتياطية أو شريكاً ثانوياً، بل بحثاً عن موقع في معادلة الطاقة والملاحة والأمن التي أصبحت أكثر ترابطاً من أي وقت مضى. وتأتي هذه العودة في ظل إخفاقات سياسية متكررة، وتململ أمريكي متنامٍ من أداء دور "الشرطي" الذي استنزف موارد واشنطن وقيّد حرية تحركها. وفي المقابل، لا يقدم الصعود الصيني بديلاً كاملاً عن النظام الأمريكي، بل يفرض تزاحماً ناعماً بالأكتاف، لا بالأيدي، بين واشنطن وبكين؛ تنافس في الاستثمار والتجارة والبنية التحتية والنفوذ الدبلوماسي، من دون أن يتحول بعد إلى مواجهة مباشرة. وفي هذه البيئة، لا تكمن القيمة الاستراتيجية لصيغة "آر 4+إي 3" في استبدال النظام الأمني القائم أو إسقاطه، بل في توسيع مساحة المشاركة الإقليمية في إدارة شؤون الإقليم.
فالتحول المطلوب ليس قطيعة مع الشركاء السابقين أو تقليص دورهم، بل بناء توازن أكثر تنوعاً يتيح للقوى الإقليمية، وفي مقدمتها السعودية ومصر وتركيا وباكستان، المساهمة بشكل أعمق في تحديد الأولويات وتنسيق المواقف وتوزيع المسؤوليات. وهنا يكمن الاختبار الحقيقي: هل تتحول هذه الصيغة إلى أداة فاعلة تعزز قدرة دول المنطقة على حماية مصالحها والمساهمة في صناعة الاستقرار، أم ستبقى منصة؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة