قطر
سياسة

من دولة غير معروفة بالمخدرات إلى عرش تجارة الكوكايين: رحلة كولومبيا في 50 عامًا

الجزيرة٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١١:٣٤ ص0 مشاهدة
من دولة غير معروفة بالمخدرات إلى عرش تجارة الكوكايين: رحلة كولومبيا في 50 عامًا

تنويه

هذا الخبر بعنوان "في أقل من 50 عاما.. كيف تحولت كولومبيا إلى أكبر مُصدّر للكوكايين في العالم؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في غضون عقود قليلة، شهدت كولومبيا تحولاً جذرياً من بلد محدود النشاط في تجارة المخدرات إلى مركز عالمي لإنتاج الكوكايين وتهريبه. هذا التحول الدراماتيكي كان نتيجة لتداخل معقد بين الحروب الأهلية، والفقر، وضعف مؤسسات الدولة، وتزايد الطلب الأمريكي على المخدرات. وقد أدت هذه العوامل إلى نشوء إمبراطوريات إجرامية امتلكت المال والسلاح والنفوذ السياسي، وخاضت صراعاً دامياً مع السلطات استمر لعقود.

لخص الرئيس الكولومبي السابق غوستافو بيترو هذا الإخفاق في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مشيراً إلى استمرار الإقبال على المخدرات، بينما دفع ملايين الكولومبيين حياتهم أو حريتهم ثمناً لهذه الحرب. في بدايات القرن العشرين، كان استخدام أوراق الكوكا في كولومبيا مقتصراً على بعض الفلاحين الذين استخدموها لتحمل الجوع ومشقة العمل، بينما بدأ عمال الموانئ بتعاطي الماريغوانا بتأثير من البحارة الأجانب. ومنذ عام 1925، بدأت عصابات صغيرة في سرقة مواد مخدرة مستوردة مخصصة للاستخدام الطبي وبيعها بصورة غير قانونية، بالتزامن مع استيراد بذور الماريغوانا وزراعتها محلياً لتلبية الطلب المتزايد.

أمام مخاوف الولايات المتحدة من تحول كولومبيا إلى مركز لتهريب المخدرات عبر قناة بنما، أقرت بوغوتا عام 1939 أول قوانينها لحظر زراعة الماريغوانا وتجريم تعاطيها والاتجار فيها. وفي عام 1949، شدد الرئيس ماريانو أوسبينا بيريز العقوبات على الاتجار بها، لكن هذه الإجراءات لم تنجح في القضاء على الظاهرة.

ظهور العصابات

شهدت كولومبيا حرباً أهلية بين المحافظين والليبراليين، أودت بحياة نحو 300 ألف شخص وانتهت عام 1958. ومع توقف القتال، وجد أفراد المليشيات أنفسهم بلا عمل، فانضم الكثير منهم إلى شبكات تهريب المخدرات، مما شكل البذور الأولى للعصابات المنظمة. خلّفت الحرب أيضاً نزوح أكثر من مليوني شخص إلى مناطق نائية عانت الفقر والبطالة وغياب الخدمات الحكومية. وفي ظل هذه الظروف، توسعت زراعة الماريغوانا ثم الكوكا، وأُنشئت مختبرات سرية لتحويل أوراقها إلى الكوكايين.

استفادة الشبكات من التوسع العالمي

استفادت الشبكات الإجرامية من توسع حركة السفر الجوي خلال ستينيات القرن الماضي لتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة. ومع بداية السبعينيات، كثفت واشنطن حملاتها خارج حدودها، في حين أسهم انتقال تجار مخدرات من تشيلي إلى كولومبيا، حاملين أموالهم وخبراتهم، في تعزيز مكانة البلاد كمركز عالمي لهذه التجارة. وبحلول نهاية السبعينيات، كانت كولومبيا مسؤولة عن نحو 73% من عمليات تكرير الكوكايين عالمياً، وكانت تصدر إلى الولايات المتحدة أكثر من 24 طناً منه سنوياً.

إسكوبار وكارتيل كالي

أتاحت الأرباح الهائلة للعصابات بناء تنظيمات واسعة النفوذ، أبرزها كارتيل ميديلين بقيادة بابلو إسكوبار، الذي بدأ حياته في سرقة السيارات وشواهد القبور، قبل أن ينتقل إلى تهريب السجائر والخمور ثم الاتجار بالكوكايين. تجاوز نشاط إسكوبار حتى عدد العاملين في إمبراطوريته 70 ألف شخص في ذروة نفوذها. وضمت شبكته شخصيات مثل خوسيه غونزالو غاتشا والإخوة أوتشوا وكارلوس ليدر، الذي حوّل جزيرة في البهاما إلى قاعدة لتهريب المخدرات. وفي مواجهته، برز كارتيل كالي بقيادة جيلبيرتو وميغيل أوريخويلا وخوسيه سانتا كروز وهيلمير هيريرا. وتقاسمت الشبكتان مناطق النفوذ في الولايات المتحدة، إذ نشط كارتيل ميديلين في ميامي وفلوريدا، بينما توسع كارتيل كالي في نيويورك ونيوجرسي.

سعى زعماء العصابات إلى توسيع نفوذهم السياسي، فموّل إسكوبار بناء نحو 400 منزل للفقراء، وانضم إلى الحزب الليبرالي وفاز بمقعد في البرلمان عام 1982. كما أسس حلفاؤه أحزاباً سياسية سعت، ضمن أهدافها، إلى إلغاء معاهدة تسليم المجرمين إلى الولايات المتحدة.

مواجهات مع الدولة

بلغ العنف مرحلة خطيرة باغتيال وزير العدل رودريغو لارا بونيلا في أبريل/نيسان 1984، بعدما قاد تحقيقات كشفت تغلغل أموال المخدرات في الاقتصاد. وأعلن الرئيس بيليساريو بيتانكور حرباً شاملة على العصابات، وتمسك بتسليم المطلوبين إلى واشنطن. وردت العصابات بحملة اغتيالات تحت شعار "قبر في كولومبيا أفضل من زنزانة في أمريكا"، أسفرت عن مقتل نحو 40 قاضياً. وفي أغسطس/آب 1989، اغتيل المرشح الرئاسي لويس كارلوس غالان بسبب تمسكه بمعاهدة التسليم. وفي ديسمبر/كانون الأول 1990، أصدرت حكومة الرئيس سيزار غافيريا مرسوماً خفّض العقوبات وتعهد بعدم تسليم المطلوبين إلى الولايات المتحدة. استسلم إسكوبار عام 1991، لكنه واصل إدارة أنشطته من سجنه الخاص، قبل أن يهرب ويخوض مواجهة جديدة مع أجهزة الأمن انتهت بمقتله في ديسمبر/كانون الأول 1993.

مع بداية الألفية الجديدة، تفككت الإمبراطوريات الكبرى إلى شبكات أصغر وأكثر سرية، توسعت في زراعة الكوكا وأنشطة إجرامية أخرى، بينها تعدين الذهب وتهريب المهاجرين. وبقيت كولومبيا عالقة في دوامة العنف والجريمة المنظمة رغم عقود من الحملات الأمنية. ولخص الرئيس السابق خوان مانويل سانتوس، في خطاب أمام الأمم المتحدة عام 2016، حصيلة التجربة بقوله إن بلاده لم تنتصر في الحرب على المخدرات ولن تنتصر فيها، داعياً إلى الاعتراف بأنه لن يكون هناك عالم خالٍ من المخدرات.

شارك الخبر: