قطر
سياسة

الفصائل العراقية تحت المجهر: الولاء للدولة أم لطهران؟

الجزيرة٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١١:٣٤ ص0 مشاهدة
الفصائل العراقية تحت المجهر: الولاء للدولة أم لطهران؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "فصائل العراق أمام اختبار الولاء.. من يملك قرار الحرب.. بغداد أم طهران؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تواجه الفصائل العراقية المنضوية تحت "محور المقاومة" اختباراً حاسماً قد يكشف حدود ولائها للدولة العراقية ومرجعيتها العقائدية الإيرانية. تتنوع هذه الفصائل بين رافضة لتسليم سلاحها، وأخرى تسعى للجمع بين العمل السياسي والاحتفاظ بقوتها المسلحة، وثالثة اندمجت في مؤسسات الدولة. تتجاوز الأزمة مجرد مسألة السلاح لتطال مستقبل السيادة العراقية وقدرة النظام السياسي على تجنب حرب لا يرغب بها.

تطرح دراسة لمركز الجزيرة للدراسات، بعنوان "الفصائل العراقية المسلحة بين الهوية والمرجعية العقائدية وسط التصعيد الإقليمي"، إشكالية التناقض المحتمل بين الهوية الوطنية العراقية والمرجعية العقائدية العابرة للحدود لدى هذه الفصائل، وانعكاساته على سلطة الدولة وقرار الحرب والسلم. وتؤكد الدراسة أن هذا التناقض يصبح حاسماً عندما تختلف قرارات بغداد وطهران بشأن المشاركة في حرب، مما يحول المسألة إلى صراع بين مصادر السلطة الملزمة.

مواجهة إقليمية محتملة واختبار للعراق

ترى الدراسة أن احتمال اندلاع تصعيد عسكري واسع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يضع العراق أمام تحديات مباشرة، خاصة مع التوقعات المتعلقة بتطور المواجهة بعد الانتخابات النصفية الأمريكية. وتتناول احتمالات توسيع إيران نطاق ردها ليشمل المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، وربما البنى التحتية الأساسية في دول الخليج. هذه الاحتمالات تأتي في سياق إقليمي يتسم باحتدام الحرب في اليمن، واحتمال انخراط حزب الله اللبناني في مواجهة مع إسرائيل دعماً لإيران.

تتصادم هذه التطورات مع رغبة الحكومة العراقية المعلنة في البقاء خارج الاستقطاب الإقليمي، ومن أبرز شروط هذا الموقف منع استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات. وهنا تبرز المعضلة: هل ستلتزم الفصائل المسلحة بالموقف الرسمي العراقي، أم ستستجيب لتوجيهات المرشد الإيراني؟ تؤكد الدراسة أن السؤال ليس افتراضاً نظرياً، بل يرتبط بعلاقات نشأت خلال العقدين الماضيين، وأصبحت أكثر تعقيداً مع اتساع المواجهة الإقليمية وتجدد الضغوط الأمريكية لإنهاء استقلالية السلاح الفصائلي عن الدولة.

خصوصية الفصائل العراقية

تشير الدراسة إلى أن خصوصية هذه الفصائل تكمن في أنها تنظيمات عراقية في تكوينها البشري والاجتماعي والسياسي. فبعض قادتها يشغلون مناصب رسمية، ولها أجنحة سياسية ممثلة في البرلمان، كما تستفيد تشكيلات مرتبطة بها من التمويل الحكومي عبر المؤسسات الأمنية، وفي مقدمتها هيئة الحشد الشعبي. ولذلك، فإن عجز الحكومة عن منع تشكيل مسلح من المشاركة في حرب إقليمية يكشف وجود سلطة موازية تنازع الدولة حق تقرير الحرب والسلم.

من مقاومة الوجود الأمريكي إلى الانتماء لمحور إقليمي

تعود الدراسة إلى الظروف التي نشأت فيها الفصائل العراقية المسلحة، مؤكدة أنها لا تمثل تجربة واحدة متجانسة. فبعضها ارتبط بالمعارضة لنظام صدام حسين، وبعضها نشأ بعد الغزو الأمريكي عام 2003، بينما اكتسبت تشكيلات أخرى شرعية خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش". تعد جماعات مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة النجباء أن مقاومتها للوجود العسكري الأمريكي أحد مصادر شرعيتها. لكن الدراسة تشير إلى أن هذه السردية اصطدمت بوجود قوات التحالف الدولي ضد داعش بناء على طلب الحكومة العراقية.

لم يقتصر تطور هذه التنظيمات على الدفاع عن دور عسكري داخل العراق؛ فقد ارتبط بعضها تدريجياً بمشروع إقليمي تقوده إيران، يقوم على اعتبار المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل صراعا مترابطا يتجاوز الحدود الوطنية. وتجسد هذا التحول في مشاركة فصائل عراقية في الحرب السورية، وتبني مفهوم "وحدة الساحات".

متى يتحول الاعتقاد الديني إلى سلطة سياسية وعسكرية؟

تخصص الدراسة محورا لتفسير نظرية ولاية الفقيه وعلاقتها بالولاء السياسي والعسكري. وتميز بين المرجعية الدينية التي تقدم الفتوى والإرشاد، وولاية الفقيه بصيغتها السياسية التي تمنح الفقيه الحاكم سلطة تتجاوز المجال الديني إلى قيادة الدولة. وتتبنى بعض الفصائل العراقية هذه النظرية باعتبارها جزءا من هويتها العقائدية والتنظيمية، وتعلن التزامها بسلطة المرشد الإيراني. لكن الدراسة تحذر من الخلط بين الإيمان الديني بولاية الفقيه، والولاء السياسي للقيادة الإيرانية، والطاعة العسكرية المباشرة لأوامرها.

ثلاثة اتجاهات في التعامل مع السلاح والدولة

تتناول الدراسة ما يعرف بـ"الفصائل الولائية"، وهي المجموعات المسلحة التي تعلن التزامها باتباع الولي الفقيه أو المرشد الأعلى في إيران. وتشير إلى أن أبرز هذه الفصائل حركة النجباء وكتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء. وتميز بين ثلاثة اتجاهات تختلف في علاقتها بالدولة والسلاح والعمل السياسي:

  1. الاتجاه الأول: الولاء العقائدي ورفض تسليم السلاح: تمثله حركة النجباء وكتائب حزب الله، اللتان تعلنان الارتباط بنظام ولاية الفقيه. وترفض هاتان الكتلتان دعوة رئيس الوزراء العراقي لحصر السلاح بيد الدولة، رغم استمرارهما في جزء من الحشد الشعبي.
  2. الاتجاه الثاني: الجمع بين المشاركة السياسية والاحتفاظ بالسلاح: يمثله تنظيم كتائب سيد الشهداء. فهو يتبنى المرجعية العقائدية نفسها، لكنه يحاول الجمع بين المشاركة في النظام السياسي والاحتفاظ بالسلاح، مع إعلان موافقته على برنامج الحكومة لحصر السلاح بشروط.
  3. الاتجاه الثالث: تغليب الاندماج السياسي على الاستقلال العسكري: تضع الدراسة عصائب أهل الحق في هذا الاتجاه، حيث ارتبط التنظيم تاريخياً بإيران، لكنه دخل مبكراً في العملية السياسية العراقية، وأصبحت مصالحه مرتبطة بمؤسسات الدولة. وقد أعلنت تأييد حصر السلاح بيد الدولة، وفك ارتباطها بالحشد الشعبي.

ماذا ستفعل الفصائل إذا تجددت الحرب مع إيران؟

تحدد الدراسة ثلاثة مسارات رئيسية للسلوك المتوقع للفصائل في حال اتسعت المواجهة الإقليمية:

  1. المسار الأول: المشاركة العسكرية المباشرة: قد تتجه التنظيمات الأكثر ارتباطا بالمشروع الولائي إلى استئناف الهجمات على المصالح والقواعد الأمريكية، أو المشاركة في عمليات مرتبطة بمحور المقاومة.
  2. المسار الثاني: الدعم السياسي واللوجستي دون دخول الحرب: قد تختار بعض الفصائل تقديم الدعم السياسي والإعلامي، مع تجنب المشاركة العسكرية المباشرة.
  3. المسار الثالث: الالتزام بقرار الحكومة العراقية: قد تقرر بعض الفصائل أن المصلحة العراقية تقتضي تجنب الحرب، وأن استخدام السلاح يجب أن يخضع لقرار الحكومة.

بين دولة تحتكر السلاح ونظام يتعايش مع سلطات موازية

تخلص الدراسة إلى أن استمرار الفصائل المسلحة بوصفها قوى سياسية وعسكرية ذات مرجعيات متعددة يطرح سؤالا عن طبيعة النظام السياسي العراقي وإمكان تطوره. فالنظام الذي نشأ بعد عام 2003 استطاع استيعاب قوى مسلحة داخل مؤسساته وتحالفاته، لكنه لم ينجح بصورة كاملة في إنهاء استقلالية جميع هذه القوى أو توحيد القرار العسكري تحت سلطة الدولة. ومع تصاعد المواجهة الأمريكية الإيرانية، تصبح كلفة استمرار هذه البنية أكثر وضوحا.

ترى الدراسة أن بناء دولة أكثر قدرة على فرض القانون يتطلب ترتيبات سياسية ومؤسسية تحول دون تحول نزع السلاح إلى مواجهة أهلية جديدة. وتؤكد ضرورة الفصل بين المشاركة السياسية المشروعة والاحتفاظ بسلطة عسكرية مستقلة. فليس المطلوب من الفصائل التخلي عن معتقداتها الدينية أو عن العمل السياسي، وإنما خضوع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة الدولة القانونية والعملياتية.

شارك الخبر: