تنويه
هذا الخبر بعنوان "السترات الصفراء.. غضب السبت في ميادين فرنسا" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عام 2018، شهدت فرنسا ولادة حركة شعبية غير مسبوقة، عُرفت باسم "السترات الصفراء"، لتصبح واحدة من أطول وأكبر الاحتجاجات في تاريخ البلاد الحديث. انطلقت الشرارة الأولى للحركة كرد فعل على ارتفاع أسعار الوقود والزيادة المقررة في ضريبة الكربون، لكنها سرعان ما تحولت إلى تعبير عن سخط أوسع تجاه النظام السياسي ومؤسساته. استمدت الحركة اسمها من سترات السلامة الصفراء، التي يلتزم سائقو السيارات في فرنسا بحملها، مما جعلها رمزا بصريا موحدا وسهل الانتشار للاحتجاجات.
بدأت الاحتجاجات في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، وتواصلت في شكل مظاهرات أسبوعية أيام السبت. ورغم تراجع حكومة ماكرون عن الزيادة الضريبية بعد أسابيع قليلة، إلا أن الحركة استمرت، متخذة منحى أوسع ضد سياسات الرئيس ماكرون.
الأسباب:
كان السبب المباشر لاندلاع الاحتجاجات في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2018 هو الارتفاع الكبير في أسعار الوقود والضريبة المفروضة عليه. فقد شهد سعر الديزل ارتفاعا بنسبة 23% والبنزين بنسبة 14% خلال عام، متجاوزا سعر اليورو ونصف اليورو للتر الواحد، ليصبحا من بين الأغلى في أوروبا. أعلنت حكومة ماكرون عن زيادة إضافية في الضرائب على الوقود بواقع 6.5 سنتات للديزل و2.9 سنت للبنزين، كان من المقرر تطبيقها في الأول من يناير/كانون الثاني 2019. وبررت الحكومة هذه السياسة بأنها تهدف إلى "التحول البيئي" وتشجيع استخدام المركبات الصديقة للبيئة، لكنها أثارت استياء واسعا لدى الفرنسيين الذين يرون أنهم لا يملكون بديلا عن سياراتهم ولا يستطيعون تحمل تكلفة البدائل الباهظة.
الشرارة والتنظيم:
تردد صدى هذه القرارات في الأوساط الفرنسية، حيث عبر المواطنون عن غضبهم عبر المنصات الرقمية. ومن أبرز المبادرات، عريضة إلكترونية أطلقتها سيدة الأعمال بريسيليا لودوسكي في مايو/أيار 2018، والتي أصبحت لاحقا شخصية بارزة في الحركة. في البداية، لم تلق العريضة تفاعلا كبيرا، لكن الاهتمام بها تزايد في أكتوبر/تشرين الأول بعد تنسيق لودوسكي جهودها مع سائق الشاحنة إريك درويه. وبحلول 25 أكتوبر/تشرين الأول، قفز عدد التوقيعات على العريضة من 10 آلاف إلى 226 ألفا. بالتوازي مع ذلك، أُطلقت مبادرات أخرى مثل حملة "تكلفة الوقود" التي دشنتها جمعية "40 مليون سائق"، داعية السائقين إلى إرسال فواتير شراء الوقود إلى قصر الإليزيه برسالة احتجاجية. ووفقا لصحيفة لو باريزيان، حُمّلت رسالة الاحتجاج أكثر من 700 ألف مرة.
مسار الاحتجاجات:
تعزو صحيفة الغارديان فكرة تنظيم احتجاج وطني ضد ضرائب الوقود في سبت 17 نوفمبر/تشرين الثاني إلى إريك درويه. أطلق درويه وسائق الشاحنات برونو لوفيفر دعوة عبر فيسبوك لإغلاق الطرق في مختلف أنحاء فرنسا. ومع تزايد التوقيعات على العريضة وانتشار الدعوة للاحتجاج، حصدت مقاطع الفيديو المتداولة ملايين المشاهدات، واقترح أحدها اعتماد السترات الصفراء كرمز للحركة. في 17 نوفمبر/تشرين الثاني، خرج سائقون إلى الطرق، ونظموا حواجز وقوافل بطيئة لعرقلة حركة المرور. شارك في الاحتجاجات نحو 300 ألف شخص. حظيت الحركة في بدايتها بتأييد سكان البلدات الصغيرة والمناطق الريفية، لكنها سرعان ما تجاوزت الاعتراض على ضرائب الوقود، لتتحول إلى حركة احتجاجية أوسع تعبر عن استياء قطاعات من الفرنسيين من سياسات ماكرون التي يرونها منحازة للنخب وسكان المدن الميسورين. ويرى محللون أن المشاركين ينتمون إلى فئات العمال ذوي الدخل المنخفض والمتوسط، الذين يعانون من صعوبة تغطية نفقاتهم المعيشية وارتفاع الأعباء الضريبية.
في الأسبوع التالي، شارك نحو 106 آلاف متظاهر. وعلى الرغم من سلمية معظم المظاهرات، شهدت العاصمة باريس مواجهات وأعمال عنف، تخللها نهب متاجر وإضرام النار في سيارات.
الاشتباكات والتصعيد:
أُصيب عدد من الأشخاص بجروح خطيرة جراء استخدام الشرطة أسلحتها، وتداولت منصات الحركة هذه الأحداث كدليل على عنف وقمع الشرطة. في المقابل، ندّد بعض المنظمين بأعمال العنف الصادرة عن بعض المحتجين، معتبرين أنها تهدد أهداف الحركة الأصلية. وشهدت الجولات اللاحقة تفاوتا في مستويات المشاركة والعنف. تخللت احتجاجات 8 ديسمبر/كانون الأول 2018 أعمال عنف شاركت فيها مجموعات من أقصى اليمين واليسار المتطرف، إلى جانب بعض المحتجين من حركة السترات الصفراء، فيما اتسم تعامل الشرطة بالتصعيد. انتقل جانب كبير من أعمال العنف من باريس إلى مدن أخرى مثل تولوز وبوردو وكان وروان ورين.
القمع والإصابات:
وفقا لتقرير منظمة العفو الدولية في عام 2020، أُصيب 2,945 متظاهرا وقُتل 11 شخصا خلال الاحتجاجات بين 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2018 و12 يوليو/تموز 2019. وثّقت التقارير إصابات خطيرة خلّفت عاهات مستديمة جراء استخدام الشرطة الرصاص المطاطي والقنابل الصوتية. فقد أكثر من 40 شخصا جزءا من بصرهم أو بصرهم بالكامل، وأُصيب 32 شخصا بالعمى في إحدى العينين، وبُترت أيدي خمسة أشخاص. كما أُوقف 11,203 أشخاص وأُحيل 5,241 شخصا إلى المحاكمة. وأُدين 20,280 شخصا بتهمة "إهانة موظفين عموميين". فُرضت قيود على حرية التنقل والتجمع على 4,122 شخصا قبل انطلاق المظاهرات.
في المقابل، سجّلت الشرطة الوطنية 1,528 إصابة في صفوف عناصرها. لجأ المتظاهرون إلى ارتداء الأقنعة والخوذات والنظارات الواقية لحماية أنفسهم. وفي أبريل/نيسان 2019، فُرض حظر شامل على تغطية الوجه أثناء المظاهرات، مع غرامات تصل إلى 15 ألف يورو وعقوبة بالسجن لمدة تصل إلى عام واحد.
إلغاء الزيادة الضريبية:
بعد أقل من ثلاثة أسابيع على اندلاع الاحتجاجات، أعلن رئيس الوزراء إدوار فيليب تعليق الزيادات الضريبية لمدة ستة أشهر، ثم تراجعت الحكومة عن الزيادة الضريبية نهائيا. كما أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون حزمة من الإجراءات قُدّرت كلفتها بنحو 10 مليارات يورو، شملت زيادة دخل العاملين الذين يتقاضون الحد الأدنى للأجور بمقدار 100 يورو شهريا وإعفاء أجور العمل الإضافي من ضريبة الدخل والاشتراكات الاجتماعية.
ومع ذلك، استمرت حركة السترات الصفراء، متجاوزة مطالبها الأصلية لتتحول إلى موجة غضب مناهضة للرأسمالية ضد ماكرون وسياساته. وعلى الرغم من تراجع زخم الاحتجاجات تدريجيا، استمرت الاشتباكات في مناسبات عدة، وخفتت الحركة بحلول خريف عام 2019.
احتجاجات 2026:
في منتصف سبتمبر/أيلول 2026، اندلعت احتجاجات طلابية في إحدى المدارس الثانوية بمدينة كريتاي، تنديدا بتهالك المباني المدرسية ونقص المعلمين. امتدت التحركات إلى آلاف المدارس الثانوية في مختلف أنحاء البلاد، وتجاوزت المطالب التعليمية لتعبّر عن غضب أوسع إزاء تراجع مستوى الخدمات العامة وارتفاع تكاليف المعيشة. انضم معلمون ونقابات عمالية وطلاب جامعات إلى الاحتجاجات. ودعا ناشطون من حركة السترات الصفراء أنصارهم للانضمام إلى الطلاب في احتجاجات السبت 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026، في تظاهرات تجمع بين "الصفر والشباب". أعلنت السلطات الفرنسية أن نحو 550 ألف شخص شاركوا في احتجاجات ذلك اليوم، بينهم 110 آلاف في العاصمة باريس. وعلى الرغم من سلمية الغالبية، أقدمت أقلية على مهاجمة المباني ونهب المتاجر والاشتباك مع الشرطة.
أخبار ذات صلة
سياسةمهرداد أخلاقي كتابجي: من قلب الصناعات الصاروخية إلى قيادة وزارة الدفاع الإيرانية
ثقافةالأصول العربية في فرنسا: عندما يصبح الانتماء تهمة في سوق العمل وتتوارى الهوية خلف جدران المؤسسات
سياسةألبرتا تختار الوحدة الكندية: رفض ساحق لمقترح الانفصال في استفتاء تاريخي
سياسة
