قطر
سياسة

لماذا يستلهم أنصار "ماغا" من ريتشارد نيكسون؟ قراءة في جذور الشعبوية الجمهورية

الجزيرة٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٦ ص0 مشاهدة
لماذا يستلهم أنصار "ماغا" من ريتشارد نيكسون؟ قراءة في جذور الشعبوية الجمهورية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لماذا يغدق أنصار حركة "ماغا" مشاعر الإعجاب على ريتشارد نيكسون؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتجاوز عودة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون إلى واجهة النقاش بين المحافظين الأمريكيين مجرد استعادة لسيرة رئيس سابق؛ لتتحول إلى محاولة لإعادة تعريف اليمين واستشراف مستقبل الحزب الجمهوري بعد دونالد ترمب، في ظل تصاعد الشعبوية والصراع مع المؤسسات التقليدية. يطلق بعض المحافظين على هذه الظاهرة اسم "نيكسون ماكسينغ"، حيث يستعيد أنصار حركة "ماغا" نيكسون ليس فقط كرئيس انتهت ولايته بفضيحة ووترغيت، بل كنموذج سياسي واجه النخب والمؤسسات التقليدية، ودافع عن النظام العام، وسعى إلى توسيع قاعدة الحزب الجمهوري الشعبوية.

في مقال حواري بصحيفة نيويورك تايمز، يناقش المؤرخ جيفري كاباسيرفيس، مؤلف كتاب "الحكم والخراب: سقوط الاعتدال وتدمير الحزب الجمهوري من أيزنهاور إلى حزب الشاي"، مع جون غويدا، محرر قسم الرأي، الدوافع وراء هذه العودة، وما تكشفه عن التحولات التي يشهدها اليمين الأمريكي والبحث عن نموذج سياسي للمرحلة المقبلة. تستند هذه المراجعة إلى قراءة جديدة لنيكسون كسلف للتيار الذي يمثله دونالد ترمب، خاصة في خطابه الشعبوي، ومواقفه من التجارة، وتأكيده على ضرورة فرض القانون والنظام، واعتقاده بأن مؤسسات نافذة في الدولة والإعلام والجامعات تعمل ضد مشروعه السياسي.

نيكسون.. رائد المواجهة مع النخب؟

يرى كاباسيرفيس أن بعض المحافظين المعاصرين يقدمون نيكسون كقائد تصدى للثورة الثقافية والسياسية في ستينيات القرن الماضي. سعى، خاصة خلال ولايته الثانية، إلى تقليص نفوذ بعض الأجهزة والبرامج الفدرالية، وإعادة توزيع الصلاحيات بين الحكومة المركزية والولايات، وتعزيز خطاب "القانون والنظام" في مواجهة الاحتجاجات والتحولات الاجتماعية. كما أراد نيكسون بناء نخبة بديلة تحل محل ما كان يعتبره المؤسسة التقليدية المعادية له، بما فيها وسائل الإعلام الوطنية والجامعات المرموقة والمؤسسات الخيرية والبيروقراطية الفدرالية. هذه الصورة تقترب من خطاب ترمب الذي يصور نفسه في مواجهة "الدولة العميقة" ويتهمها بعرقلة إرادة الناخبين. ولم يقتصر التشابه على الخطاب؛ فقد حاول نيكسون إعادة صياغة الحزب الجمهوري كحزب أقرب إلى الطبقة العاملة، واتخذ مواقف قومية اقتصادية في التجارة، وأبدى اهتماما بسياسات مؤيدة للعمال، مما يؤكد أن التحول الشعبوي داخل الحزب ليس ظاهرة مستحدثة بالكامل.

ليس محافظا بالمعنى التقليدي

غير أن اختزال نيكسون في هذه الصورة يتجاهل جوانب أساسية من تجربته. فنيكسون، بحسب كاباسيرفيس، لم يكن محافظا بالمعنى التقليدي الذي يطالب بتقليص دور الدولة. فقد أنشأ وكالة حماية البيئة عام 1970، ووقع قانون إنشاء إدارة السلامة والصحة المهنية، انطلاقا من اقتناعه بدور الحكومة في حماية صحة الأمريكيين وسلامتهم. كما اتخذ خطوات مهمة في إزالة الفصل العنصري في المدارس الجنوبية، وعمل على تطوير برامج اتحادية للمساواة في فرص العمل. وفي المجال الصحي، طرح نيكسون عام 1974 تصورا للتأمين الصحي الوطني، استندت إليه مقترحات لاحقة للرئيسين بيل كلينتون وباراك أوباما. هذه السياسات تكشف عن رئيس لا تنسجم تجربته بالكامل مع التصنيف الذي يحاول بعض المحافظين المعاصرين وضعه فيه. وهنا تكمن المفارقة: فاليمين الذي يستحضر نيكسون كرمز لمواجهة الدولة العميقة والنخب الليبرالية، يتجاهل أحيانا أنه استخدم سلطة الحكومة لتوسيع برامج عامة وحماية العمال والبيئة، وهي سياسات لا تحظى جميعها بقبول المحافظين اليوم.

سلطة الرئيس.. من ووترغيت إلى ترمب

تظهر أوجه التشابه الأكثر إثارة للجدل بين نيكسون وترمب في نظرتهما إلى السلطة التنفيذية وعلاقتهما بالخصوم السياسيين. حاول نيكسون حجب أموال أقرها الكونغرس لبرامج لم يكن يؤيدها، مستندا إلى تصوره لصلاحيات الرئيس الدستورية. وخلال فضيحة ووترغيت، تمسك بالامتياز التنفيذي لحماية محادثاته السرية من رقابة الكونغرس والمحاكم. كما كشفت فضيحة "قائمة الأعداء" عن رغبته في توظيف أجهزة حكومية، بينها مكتب التحقيقات الفدرالي ومصلحة الضرائب، لملاحقة خصومه. ويرى كاباسيرفيس أن هذه النزعة تقدم سابقة تاريخية لما يعتبره استخداما سياسيا لأجهزة العدالة في عهد ترمب، في محاولة لمعاقبة المعارضين أو الضغط عليهم. لكن المؤرخ يلفت إلى فارق مهم في شخصية نيكسون نفسه؛ إذ كان بعض مساعديه يميزون بين جانب يدفعه إلى الانتقام من خصومه بوسائل غير قانونية أو غير دستورية، وجانب آخر يدرك أن مثل هذه الأفعال خاطئة، ويتراجع أحيانا عن أوامره بعد التفكير فيها. ولا يعني ذلك تبرئة نيكسون من تجاوزاته، بل يوضح أن تجربته كانت أكثر تعقيدا من الصورة التي يحاول أنصار "ماغا" استعادتها.

معركة على الإرث

انتهت رئاسة نيكسون باستقالته عام 1974، بعدما أصبحت الأدلة المتعلقة بفضيحة ووترغيت، ولا سيما عرقلة العدالة، تهدد بقاءه في منصبه. ويرى كاباسيرفيس أن اختلاف الظروف السياسية اليوم قد يجعل تكرار ذلك السيناريو أكثر صعوبة. فقد ساهم انقسام الحزبين الأمريكيين واستقطابهما الحاد في إضعاف استعداد السياسيين لمحاسبة رئيس ينتمي إلى حزبهم. وعندما استقال نيكسون، كان فقدانه دعم عدد من الجمهوريين عاملا حاسما في قراره؛ أما اليوم، فيصعب تصور موقف مماثل بالسهولة نفسها. ولعل أكثر ما يكشف هذا التحول تصريح جيه دي فانس -نائب الرئيس- بأن فضيحة ووترغيت، لو وقعت في الوقت الحاضر فإنها قد لا تتجاوز دورة إخبارية قصيرة. وهي ملاحظة تعكس، في قراءة كاباسيرفيس، كيف أصبحت الولاءات الحزبية قادرة على الحد من الأثر السياسي لفضائح كان يمكن أن تطيح برؤساء في حقبة سابقة.

لا تتعلق إعادة اكتشاف نيكسون بالماضي وحده، بل بالصراع على مستقبل الحزب الجمهوري بعد ترمب. فأنصاره يرون فيه رمزا لسياسي مستعد لخوض معارك شرسة ضد المؤسسات التي يعتبرونها معادية للمحافظين، وللتعبير عن غضب قطاعات شعبية تشعر بأن النخب السياسية والثقافية لا تمثلها. لكن كاباسيرفيس يذكّر بأن نيكسون لم يأت من أقصى اليمين داخل الحزب الجمهوري، بل كان في جوهره رجل حزب حاول التوفيق بين المحافظين والمعتدلين والليبراليين. أما رونالد ريغان، الذي يفضله بعض المحافظين كنموذج للقيادة الجمهورية، فقد نجح بدرجة أكبر في بناء تحالف واسع حول الحزب، حتى عندما ابتعد عن بعض مبادئ المحافظين التقليدية. ويقدم نيكسون، في المقابل، درسا في مخاطر تحويل الخصومة السياسية إلى حرب مفتوحة على المؤسسات والقواعد الدستورية. فعلى الرغم من أخطائه الجسيمة، كان يدرك أحيانا حدود القوة الأمريكية، كما أظهر انفتاحه على الصين وإستراتيجيته القائمة على تخفيف التوتر مع الاتحاد السوفياتي إدراكا واقعيا لأهمية التفاوض.

يخلص كاباسيرفيس إلى أن ظاهرة "نيكسون ماكسينغ" تبدو أقرب إلى مزاج سياسي منها إلى مراجعة تاريخية متكاملة. فالتاريخ الأمريكي، في مجتمع شديد الانقسام، يتحول باستمرار إلى ساحة صراع على الحاضر والمستقبل، ويعيد كل تيار تفسير شخصيات الماضي بما يخدم تطلعاته. ومن هنا، فإن استدعاء نيكسون لا يثبت أن الجمهوريين وجدوا نموذجا متكاملا لمرحلة ما بعد ترمب، بقدر ما يكشف حاجتهم إلى صياغة هوية سياسية تجمع بين الشعبوية والواقعية والقدرة على الحكم. ويبقى الدرس الأهم هو أن الخصوم السياسيين، مهما اشتد الخلاف معهم، مواطنون لا أعداء ينبغي تدميرهم، وأن المنافسة الديمقراطية لا تستقيم من دون احترام الدستور وسيادة القانون. فقد ينجح السياسي في حشد أنصاره عبر إظهار استعداده لخوض المعارك، لكن الاختبار الحقيقي للقيادة لا يكمن في عدد الخصوم الذين يهزمهم، بل في قدرته على ممارسة السلطة من دون تقويض القواعد التي تمنحها شرعيتها.

شارك الخبر: