قطر
ثقافة

كيف يهدد طغيان المال وتراجع القيم تماسك المجتمعات الحديثة؟

الجزيرة٢٠ أغسطس ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٣ ص0 مشاهدة
كيف يهدد طغيان المال وتراجع القيم تماسك المجتمعات الحديثة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الطموح الجماعي ترياق للّامعنى" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

استوحى الفيلسوف الفرنسي ألان باديو حوارات سقراط، واتخذ لكتابه عنوان حوارات أفلاطون، لكي تستعيد المعاني مدلولها؛ لأن المعنى يتبدد حين تختلط الغاية والوسيلة، والدال والمدلول، والضروريات والكماليات. ويكون المجتمع سليماً حين لا تختلط الغاية والوسيلة، ولا يمتزج الدال والمدلول، وحينما لا تطغى الكماليات على الضروريات، وحين تُدار أمور الحكم باسم الأغلبية ولصالحها، وليس من لدن أوليغارشية تفرض رؤيتها وتخضع المجتمع لهيمنتها.

غاية الفكر تحرير المفاهيم، وقد غيّرها التوجه النيوليبرالي الذي شيّأ كل شيء وبضّع كل شيء، وحوّل المال إلى قيمة القيم، مثلما يقول الفيلسوف الألماني جورج سيمل، صاحب كتاب "فلسفة المال". فلم يعد المال وحدة قياس بل قيمة، وحينما يصبح المال قيمة، تتحلل كل القيم. والنتيجة التي يخلص لها باديو هي أنه لا يمكن الجمع بين عبادة المال وبين حياة عامة، وأن الطبقات المتوسطة، وقد تآكلت قدرتها الشرائية، مستعدة لكل أشكال المغامرات السياسية.

لقد أصابنا لظى تلك التوجهات وأحيانا مجتمعات من غير معنى، يختلط لدينا الدال والمدلول، ونحسب مثلا أن الانتخابات هي الديمقراطية، وأن مظاهر الثراء هي التقدم، وأن انعدام الغاية يبرر الوسيلة، وأن الكماليات تغني عن الضروريات. وتحولت الدولة، وفق التوجه النيوليبرالي، إلى شركة مساهمة غايتها أن تكون مُسهّلة، وغدت المرافق الاجتماعية مجالا للاستثمار وقطاعات تخضع لمعيار الربح والخسارة، ولا يُنظر إليها إلا بمقدار ما تدره من ربح، والحال أنه ليس هناك مجتمع يمكنه أن يستغني عن قيم مثل التضامن والانتماء والتضحية.

وأوضح الاقتصادي جوزيف ستغليتز الحاصل على جائزة نوبل أن التكنوقراط حولوا نظام السوق إلى أصولية، وتحول الاقتصاد من خادم إلى ربة بيت، وأضحى الذيل هو ما يحرك الكلب. وباتت السياسة تمثيلا، وقضايا المجتمع تُحل بمقاربة حوارية، وهي نظرة لم تكن تخلو من قصور وكانت سببا في كثير من الاهتزازات. ونحن اليوم نشكو، كما أسماه دوركايم، انعدام القواعد وتحلل الروابط، مما يفضي إلى أشكال عدة من الانحراف الاجتماعي.

وتفيدنا رواية البؤساء لفيكتور هوغو للوقف على حجم المعاناة الإنسانية في فرنسا القرن الـ19، وأزمنة ديكنز في إنجلترا، أكثر مما تفيدنا بيانات الإحصاءات. ومن الطريف أن الاقتصادي الفرنسي توماس بيكتي جعل مادة بحثه حول تاريخ مقتضب للمساواة معتمداً على ما كتبه أدباء عن مظاهر الفقر في القرن الـ19، وعزف عن لغة الأرقام.

ولا يمكن الخروج من حالة اللامعنى إلى المعنى، ومن مجتمعات بلا قواعد إلى مجتمعات بروابط، إلا من خلال طموح جماعي. إذ لا يرتبط الإنسان بالحاضر فقط، بل بالمستقبل، وحين يُنزع من ذاكرته ويُحال بينه وبين الأمل، يفقد إنسانيته ويتحول إلى آلة تنتج وتستهلك. وحينما يصدح طفل وهو يطأ سبتة المحتلة بعبارة (عاشت إسبانيا) باللغة الإسبانية، فمعناه أن كل المنظومة التربوية والمرجعية القيمية مختلة.

وتعرض العالم العربي إلى تحد وجودي حين جثم عليه الاستعمار، ولكن اليوم يواجه العالم العربي تحديا أكبر لكونه ضحية اللامعنى واهتزاز القيم وسيادة التفاهة بحسب الفيلسوف الكندي ألان دونو. ولا مندوحة من أمرين لتماسك المجتمعات وهما الأسرة والتربية، شريطة عدم استنساخ نماذج من سياق مغاير، والنخبة والصفوة يجب أن تكون حاملة لتصور أو طموح جماعي وتمثل قدوة يُحتذى بها للقطع مع اللامعنى.

شارك الخبر: