قطر
سياسة

صلاح جديد: من

الجزيرة١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠١:٥٢ م0 مشاهدة
صلاح جديد: من

تنويه

هذا الخبر بعنوان "صلاح جديد.. كيف انتهى "صانع الرؤساء" بسجن المزة؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

رحلة صلاح جديد، أحد أبرز قادة حزب البعث في سوريا، من مسقط رأسه في ريف اللاذقية عام 1926 إلى وفاته في سجون حافظ الأسد بدمشق عام 1993، تركت بصمة عميقة في تاريخ المؤسسة العسكرية وعلاقة الجيش بالسياسة في سوريا. بلغت هذه العلاقة ذروتها بإقصائه عبر انقلاب حافظ الأسد عام 1970. يستعرض الفيلم الوثائقي "صلاح جديد.. حاكم في الظل"، الذي بثته منصة "سوريا الآن"، هذه المسيرة الطويلة عبر محطات مفصلية في تاريخ سوريا الحديث، مسلطاً الضوء على الرجل الذي وُصف بـ"العقل المدبر" للسلطة و"صانع الرؤساء" في عهد البعث، والذي أدار البلاد من خلف الستار لسنوات.

شقة القاهرة.. النواة الأولى للسيطرة على السلطة

يتتبع الوثائقي جذور صعود صلاح جديد، ابن قرية "دوير بعبدة" باللاذقية، بدءاً من عام 1959 عقب نقل عدد من الضباط السوريين إلى مصر خلال فترة الوحدة. رغم حل تنظيم البعث آنذاك، اجتمع خمسة ضباط بعثيين سراً في القاهرة: صلاح جديد، حافظ الأسد، عبد الكريم الجندي، أحمد المير، ومحمد عمران. أسسوا "اللجنة العسكرية"، التي أصبحت النواة الصلبة لمشروع الاستيلاء على السلطة في سوريا. بعد انهيار الوحدة عام 1961، أُبعد جديد ورفاقه عن الجيش، لكن شبكتهم التنظيمية ظلت متماسكة حتى انقلاب 8 مارس/آذار 1963، حين خرج ضباط "شقة القاهرة" من الظل إلى العلن. بينما اتجه الأسد نحو قاعدة الضمير الجوية، اختار صلاح جديد السيطرة على "مكتب شؤون الضباط"، الموقع الذي منحه السلطة الفعلية لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وتعيين الموالين.

يرى الباحث في التاريخ السوري الحديث أحمد مأمون أن صلاح جديد يُعد من أبرز الشخصيات العسكرية التي أحدثت تحولات عميقة، مؤكداً أنه "واحد من أهم الضباط في تاريخ الجيش السوري الذين قادوا واحداً من أعمق التحولات أثراً في تاريخ المؤسسة العسكرية، وفي علاقة الجيش بالسياسة في سوريا، وحتى تجاه المجتمع".

خلع البزة العسكرية.. الحزب أولاً

في خطوة فاجأت رفاقه عام 1965، تخلى اللواء صلاح جديد عن منصب رئيس أركان الجيش ليتولى منصب "الأمين القطري المساعد" لحزب البعث. يوضح الوثائقي أن هذه الخطوة لم تكن تراجعاً، بل جاءت بناءً على قناعة جديد بأن الحزب هو المركز الأعلى لإدارة مؤسسات الدولة ومنه تُحكم سوريا. حول هذا التحول التنظيمي، يوضح الباحث أحمد مأمون أن قرار جديد بالخروج من المسار العسكري جاء "لأنه شعر في ذلك الوقت أن سلطة الحزب بحد ذاتها هي السلطة المركزية التي تحكم مؤسسات الدولة السورية، ولم يكن في ذهنه أن هناك رفيق درب – مثل حافظ الأسد – يحفر له ويؤسس لمسار مختلف".

قاد جديد فجر 23 فبراير/شباط 1966 انقلاباً داخل حزب البعث أطاح بالقيادة القومية التاريخية ومؤسسي الحزب، ليثبّت أركان سلطته مطبقاً سياسات إيديولوجية وراديكالية. عن طبيعة تلك المرحلة، يشير مأمون إلى أن صلاح جديد "كان شخصية راديكالية جداً في سياساته البعثية تجاه المجتمع والدولة، وحتى بالسياسات الاشتراكية والاقتصادية، على خلاف حافظ الأسد الأكثر انفتاحاً في علاقته في تلك المرحلة مع النخب"، وهو ما أوجد شرخاً خفياً بين الطرفين؛ جديد يملك شرعية القرار الحزبي والسياسي، والأسد يعزز نفوذه المباشر داخل القوات المسلحة.

هزيمة حزيران وانكسار التحالف

يكشف الوثائقي أن حرب يونيو/حزيران 1967 وسقوط هضبة الجولان شكلا نقطة التحول المفصلية في الصراع. تبادل جديد والأسد الاتهامات بشأن المسؤولية عن الهزيمة والبلاغ العسكري رقم 66 الصادر بخصوص سقوط القنيطرة، ليجد جديد نفسه أمام واقع جديد يتمثل في أن المؤسسة العسكرية لم تعد تأتمر بأمر القيادة الحزبية بشكل كامل. تفاقمت الأزمة بتصفية وأفول عدد من أوراق جديد الأمنية، وأبرزها انتحار رئيس مكتب الأمن القومي عبد الكريم الجندي عام 1969، وتمدد الأسد للسيطرة على وسائل الإعلام الرسمية كصحيفتي "البعث" و"الثورة" والإذاعة بدمشق.

جاءت حوادث "أيلول الأسود" عام 1970 في الأردن لتضع المسمار الأخير في نعش التحالف. أمر جديد بإرسال المدرعات السورية لدعم الفدائيين الفلسطينيين، بينما امتنع الأسد (وزير الدفاع آنذاك) عن تقديم الغطاء الجوي، مما كبّد القوات خسائر ميدانية واضطرت بعدها للانسحاب.

المؤتمر العاشر.. قرار بلا قوة لإنفاذه

في نوفمبر/تشرين الثاني 1970، انعقد المؤتمر القومي العاشر لحزب البعث بدمشق لحسم النزاع. حصل جديد على الأغلبية الحزبية، وأصدر المؤتمر قرارات بعزل حافظ الأسد ورئيس الأركان مصطفى طلاس من مناصبهما العسكرية. يعلّق الباحث أحمد مأمون على تلك اللحظة الحاسمة قائلاً: "من موقع القوة الذي صعد فيه حافظ الأسد بسبب موقعه في سلاح الجو، وبسبب ضعف صلاح جديد وضعف الموقع الذي كان فيه، دفع ذلك حافظ الأسد وفتح شهيته للهيمنة على الحكم، وتخلص من رفيق دربه صلاح جديد ونور الدين الأتاسي في عام 1970 في انقلاب تشرين".

في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 1970، تحركت الوحدات العسكرية الموالية للأسد ونفذت ما سمي بـ"الحركة التصحيحية"، حيث أُلقي القبض على جديد ورئيس الدولة نور الدين الأتاسي وقيادات الحزب، ليُنقلوا مباشرة إلى سجن المزة العسكري.

23 عاماً في العتمة.. الزهد والرحيل

قضى جديد 23 عاماً في معتقله دون محاكمة أو حكم قضائي، رُفضت خلالها كل المحاولات والوساطات لإبداء أي مرونة تجاه الأسد. يذكر الباحث أحمد مأمون جوانب من فترة اعتقاله، مشيراً إلى أن إدارة السجن ورفاق جديد طالما نصحوه "بأن يتصل بحافظ الأسد حتى يعطيه إجازة لمدة شهر استراحة كل سنة، لكنه كان متصلباً ومتشدداً على موقفه بأنه لا يمكن له أن يتنازل وأن يلين وأن يترجى حافظ الأسد بأي شيء شخصي".

في 7 أغسطس/آب 1993، خطّ صلاح جديد آخر كلماته في رسالة لابنته "وفاء" على إحدى صفحات رواية "مذلون مهانون" للكاتب الروسي دوستويفسكي، عبّر فيها عن حنين الأب لرؤية ابنته دون حراس أو رقاب. توفي بعد 12 يوماً فقط من تلك الرسالة داخل سجنه.

يختتم الفيلم الوثائقي قراءته التاريخية بالإشارة إلى المفارقة الدرامية في حياة صلاح جديد، فالرجل الذي أسس خلال فترة حكمه لتغول البعث وأطلق يد الأجهزة الأمنية وأعاد بناء الجيش على أساس الولاءات، انتهى ضحية للأدوات والتنظيمات ذاتها التي أسهم في إرساء قواعدها.

شارك الخبر: