قطر
سياسة

أرمينيا في مفترق طرق: بين روسيا والغرب وممر "ترمب" الجديد يثير قلق طهران وموسكو

الجزيرة١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٥:٢٦ ص0 مشاهدة
أرمينيا في مفترق طرق: بين روسيا والغرب وممر "ترمب" الجديد يثير قلق طهران وموسكو

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أرمينيا بين روسيا وأوروبا وأمريكا.. هل يعيد جنوب القوقاز ترتيب أوراقه؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يعد ما يجري في جنوب القوقاز يقتصر على ابتعاد أرمينيا عن روسيا وتقاربها من أوروبا والولايات المتحدة، بل يتجاوز ذلك ليشمل تحولات أعمق في التجارة والطاقة وطرق النقل والاتصالات، وهي الشبكات التي تشكل النفوذ على المدى الطويل. وفي قلب هذه التحولات تقف أرمينيا، الدولة غير الساحلية الصغيرة الواقعة في جنوب القوقاز، والتي تسعى لتوسيع هامش مناورتها بين موسكو وبروكسل وواشنطن، مع الحفاظ على روابطها التاريخية مع روسيا منذ الاستقلال.

تكمن المفارقة في أن الخطاب السياسي في يريفان يتجه غربًا، بينما تظل مجالات الاقتصاد والأمن والطاقة تربط أرمينيا بروسيا بشكل كبير. ففي أبريل/نيسان 2025، أقر البرلمان الأرميني قانونًا يمهد للتكامل مع الاتحاد الأوروبي، وواصلت يريفان تعزيز علاقاتها مع بروكسل وواشنطن، مع بقائها عضوًا في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي وعدم قطع علاقاتها مع موسكو. هذا الحذر الأرميني يعود إلى صعوبة إعادة بناء العلاقات الاقتصادية والطاقوية التي تشكلت على مدى عقود، مقارنة بالابتعاد السياسي الذي بدأ بالفعل.

تُظهر الأرقام حجم الاعتماد الأرميني على روسيا؛ ففي عام 2025، كانت روسيا أكبر شريك تجاري لأرمينيا بنسبة 35.5% من إجمالي التجارة الخارجية، مقابل 11.3% للاتحاد الأوروبي، وبلغ حجم التجارة بينهما حوالي 6.7 مليارات دولار. وفي قطاع الطاقة، استوردت أرمينيا حوالي 82% من احتياجاتها من الغاز من روسيا (2.23 مليار متر مكعب من أصل 2.7 مليار)، وتدير شركة "غازبروم أرمينيا" شبكة نقل الغاز في البلاد. أما الغاز الإيراني فيأتي ضمن اتفاق "الغاز مقابل الكهرباء"، مما يجعل البحث عن بدائل لموسكو في هذا المجال أمرًا معقدًا.

لا يقتصر الأمر على الاقتصاد، ففي غيومري شمال غربي أرمينيا، تقع القاعدة العسكرية الروسية الـ102، وهي رمز هام للحضور الروسي في جنوب القوقاز. تعود جذور الوجود العسكري الروسي في المدينة إلى القرن الـ19، وتأسست القاعدة الحالية في الحقبة السوفياتية عام 1941، وتم تمديد اتفاق وجودها حتى عام 2044. بعد انسحاب روسيا من قواعدها في جورجيا، أصبحت غيومري آخر وجود عسكري روسي مباشر بهذا الحجم في المنطقة، مما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من الحسابات الأمنية الروسية نظرًا لقربها من الحدود التركية.

تعرضت مكانة القاعدة لاختبار بعد سقوط إقليم "ناغورني قره باغ" في سبتمبر/أيلول 2023، حيث انتقدت القيادة الأرمينية موسكو وبدأت البحث عن بدائل أمنية وسياسية، في حين زادت الانتقادات الروسية للتوجه الغربي لحكومة نيكول باشينيان، لكن الأزمة لم تصل إلى القطيعة.

في المقابل، تسعى الولايات المتحدة لتعزيز حضورها عبر اتفاق "طريق ترمب للسلام والازدهار الدولي" (TRIPP) الذي وقعته مع أرمينيا في يونيو/حزيران 2026. يهدف المشروع إلى تطوير شبكة نقل تربط أذربيجان بإقليم "ناخيتشيفان"، وتفتح طريقًا جديدًا نحو آسيا الوسطى وتركيا وأوروبا. يمنح الاتفاق حصة 74% للجانب الأمريكي في الشركة المطورة، مع حقوق استخدام أولية لمدة 49 عامًا، مع بقاء السيادة الأرمينية على الأراضي.

من وجهة النظر الروسية، يثير "ممر زانغيزور" قلقًا ليس فقط للطريق نفسه، بل لاحتمال أن يصبح جزءًا من شبكة إقليمية جديدة أقل اعتمادًا على البنية التحتية التي كانت موسكو تملك فيها نفوذًا واسعًا. يتقاطع هذا المشروع مع الحسابات الإيرانية، حيث يمر الممر المقترح بالقرب من الحدود الإيرانية، وطهران تراقب أي تغيير في هذه المنطقة بحساسية، خاصة مع تزايد الحضور الأمريكي قرب حدودها الشمالية.

تتحدد المرحلة المقبلة بين القاعدة العسكرية والطريق الجديد، وبين الغاز والتجارة. المسألة ليست فقط من سيكون أقرب إلى أرمينيا، بل أي شبكة ستصبح أكثر حضورًا في حياتها اليومية، ومن سيؤثر في اقتصادها وأمنها واتصالاتها مع العالم. إن منح شركة أمريكية حقوق تطوير واستخدام طرق لمدة 49 عامًا يثير تساؤلات حول طبيعة الحضور الأمريكي الاستراتيجي في منطقة شديدة الحساسية.

يبقى السؤال: هل تختار أرمينيا روسيا أم أوروبا والولايات المتحدة؟ الأرجح أن يريفان تسعى لتقليل اعتمادها على روسيا دون قطع الروابط الضرورية، مع توسيع علاقاتها مع الغرب والبحث عن طرق جديدة للتجارة والنقل وتنويع علاقاتها الأمنية والاقتصادية. مستقبل النفوذ الروسي في جنوب القوقاز وأرمينيا لن تحدده البيانات السياسية وحدها، بل حركة البضائع، ومصادر الطاقة، والاستثمارات، ومستقبل القاعدة العسكرية، واتجاهات التجارة. إذا بقيت الروابط الاقتصادية والعسكرية مع روسيا عميقة، فقد يستمر نفوذ موسكو، وإذا نجحت أرمينيا في بناء بدائل حقيقية، فقد يصبح التحول السياسي أكثر عمقًا. هل يعيد جنوب القوقاز ترتيب أوراقه فعلاً، أم أنه يعيد توزيعها فقط؟

شارك الخبر: