من مفاتيح البيوت إلى هاتف ياسر عرفات: متحف شاتيلا يحفظ ذاكرة فلسطين اليومية


هذا الخبر بعنوان "من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين في شاتيلا" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في غرفة متواضعة بمخيم شاتيلا في بيروت، تتجسد تفاصيل الحياة الفلسطينية اليومية التي غادرها أصحابها قبل عقود. مفاتيح لا تفتح أبواباً، أثواب لم تعد تُلبس، أدوات توقفت عن وظيفتها، وصور لمكان لم يعد الوصول إليه ممكناً. هذه المقتنيات، التي تشمل مفاتيح لمنازل فلسطينية، أثواباً مطرزة، أدوات زراعية وحرفية، أوانٍ منزلية، صوراً ووثائق، جمعها الدكتور محمد الخطيب وشريكه علي الخطيب، شقيق محمد، في متحف فريد من نوعه.
تتوزع هذه القطع على الرفوف والزوايا، كل منها يحمل قصة خاصة. مدقة صقلتها كثرة الاستخدام، جاروشة لطحن الحبوب، أدوات للتنجيد، ونول خشبي، كلها تشهد على حياة يومية نشطة. وفي زاوية أخرى، تتلألأ الأثواب الفلسطينية بزخارفها المتنوعة، إلى جانب صور ومقتنيات شخصية وصلت من أماكن مختلفة.
ومن بين المعروضات اللافتة، هاتف قديم وُضع بجواره مجسم للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. وصل الهاتف إلى المتحف في أيام صاحبه الأخيرة خوفاً من ضياعه، ليصبح شاهداً على حقبة زمنية، تماماً مثلما وصلت قطع أخرى إلى المتحف، حاملة معها قصصاً شخصية وذكريات عميقة.
بدأت فكرة المتحف في أبريل/نيسان 2004، عندما شعر الدكتور محمد الخطيب، الطبيب الفلسطيني المتقاعد، بالحاجة إلى جمع المقتنيات التي حملها الفلسطينيون معهم بعد عام 1948 أو احتفظوا بها، وذلك لتعريف الأجيال الجديدة بتفاصيل الحياة في فلسطين قبل التهجير. جاءت هذه المبادرة أيضاً لمواجهة ما وصفه الخطيب بـ"الهجمة على التراث الفلسطيني والادعاءات الإسرائيلية"، عبر جمع شواهد مادية وتوثيقها.
امتدت رحلة جمع المقتنيات لتشمل مناطق لبنانية مختلفة وسوريا. ومع مرور الوقت، بدأت العائلات الفلسطينية بتقديم مقتنياتها، بينما اشترى الخطيب قطعاً أخرى. تضم المجموعة حالياً ما يقارب ألفي قطعة، تتنوع بين الفخاريات، الزجاجيات، الأقمشة، الورقيات، أدوات العمل، الأدوات المنزلية، والأثواب والمقتنيات الشخصية. وتنقسم المقتنيات إلى أقسام حسب طبيعة استخدامها: أدوات العمل، الأدوات المنزلية، مقتنيات الديوان، وأدوات النساء والزينة. ولا يزال الجمع مستمراً، وإن بوتيرة أقل، بهدف توثيق جوانب الحياة الفلسطينية.
تضم المجموعة أدوات منزلية وأخرى للزراعة والحرف والعمل، مثل مدقة ثقيلة لتحضير الطعام، وجاروشة لطحن الحبوب، وأدوات للتنجيد. كما يعرض المتحف "النملية"، وهي خزانة خشبية لحفظ الطعام قبل انتشار الثلاجات، وأثواباً فلسطينية بتصاميم وألوان مختلفة.
إلى جانب الأدوات، يعرض المتحف صوراً أصلية ونسخاً عنها، ووثائق ومستندات تتعلق بممتلكات وأراضٍ في فلسطين، بالإضافة إلى كتب قديمة وحديثة. يرى علي الخطيب في هذه المقتنيات "شواهد مادية تدحض النسيان"، فهي تكشف عن عادات وتقاليد وطرق عيش الفلسطينيين قبل النكبة.
لم يقتصر نشاط المتحف على العرض، بل نظم برامج لكبار السن لتبادل القصص والتاريخ، وبرامج للأطفال لتعريفهم بالقطع التراثية واستخداماتها، مما يمنح المقتنيات وظيفة أخرى كجسر للتواصل بين الأجيال.
رغم اتساع المجموعة، لا يزال المتحف يبحث عن قطع مفقودة مثل "مجلخ السكاكين". لكن التحدي الأكبر يكمن في حفظ المقتنيات، فالمكان الحالي للمتحف غير ملائم، مما أدى إلى تلف بعض القطع. يواجه القائمون على المتحف مهمة جمع القطع والحفاظ عليها من عوامل الزمن والرطوبة.
في نهاية المطاف، يبقى المفتاح بلا باب، لكن وجوده بين هذه المقتنيات يذكر بأن وراءه بيتاً وحياة وأياماً عادية أصبحت جزءاً من التاريخ، مشهدٌ عن فلسطين من خلال تفاصيلها اليومية، ما كان يستخدم في البيت، وما كانت ترتديه النساء، وكيف كان الناس يعملون ويحفظون طعامهم، وما بقي معهم بعد الرحيل.
ثقافة
ثقافة
سياسة
ثقافة