قطر
سياسة

من الأفعى إلى المسيرات: كيف تتطور تجارة المخدرات في العالم العربي؟

الجزيرة١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٤:٣٨ م0 مشاهدة
من الأفعى إلى المسيرات: كيف تتطور تجارة المخدرات في العالم العربي؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "رؤوس الأفعى الجدد: كيف أعاد أباطرة المخدرات إحياء تجارتهم في العالم العربي؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في الساعات الأولى من صباح الأول من أبريل/نيسان 2026، رصد جنود حرس الحدود الأردنيون تسع بالونات موجهة إلكترونياً في سماء الواجهة الشمالية للمملكة، مستغلة تقلبات الطقس لتشتيت جهود المراقبة. وفي الوقت نفسه تقريباً، واجهت الواجهة الغربية تهديداً آخر بطائرة مسيرة اخترقت الأجواء. لو تابع المرء أخبار ذلك اليوم، لظن أن المملكة تتعرض لهجوم جوي غير مسبوق. لكن القوات الأردنية كانت تتعامل مع عشر محاولات تهريب تجاوزت حصيلتها مليونا ونصف المليون حبة مخدرة، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الحشيش. ولم تتوقف المحاولات، ففي 11 أكتوبر/تشرين الأول 2026 أسقط حرس الحدود بالونات جديدة محملة بالمخدرات. هذه الوقائع ليست نادرة، ففي يونيو/حزيران 2023 أحبط حرس الحدود في قطاع حقل بمنطقة تبوك السعودية تهريب 14 ألف قرص أمفيتامين بالمسيرات، وبعد نحو عامين ونصف، في 6 يناير/كانون الثاني 2026، أحبطت محاولة أخرى في القطاع نفسه لنقل 41 ألف قرص أمفيتامين بمسيرة. هذان الرقمان يؤكدان أن الأمر لم يعد يقتصر على أكياس صغيرة مربوطة بطائرات تصوير منزلية، بل أصبحت فئات من المسيرات تؤدي دوراً لوجستياً حقيقياً في هذه السوق القذرة. وتجاوزت الظاهرة في بعض الدول العربية حدود التهريب التقليدي، ففي لبنان، ضبطت السلطات في سجن رومية في مارس/آذار 2023 مسيرة تحمل 74 حبة مخدرة ومادة أخرى، إلى جانب هاتف وأجهزة إلكترونية، مما يشير إلى إيصال المخدرات إلى داخل السجون. ما يحدث في العالم العربي هو صورة مصغرة لتحول أوسع في تجارة المخدرات عالمياً، حيث تغيرت طرق النقل، وطرق الوصول إلى المشترين، وتحصيل الأرباح وتوزيعها، مما اضطر أجهزة الشرطة إلى تطوير خططها والتعاون مع الجيوش. أصبحت ملاحقة تجارة المخدرات أصعب من أي وقت مضى، ويعود ذلك إلى فقدانها لـ"رجالها الأقوياء".

على مدى معظم تاريخ مكافحة المخدرات الحديث، اعتمدت أجهزة إنفاذ القانون استراتيجية "قطع الرؤوس"، التي تستهدف تحديد المنظمات الإجرامية واعتقال قادتها ومصادرة أصولها. لكن هذه الاستراتيجية لم تعد فعالة مع المنظمات التي لم تعد تشبه الشركات الهرمية. ويعد الكبتاغون، المنشط من عائلة الأمفيتامينات، مثالاً واضحاً في منطقتنا، حيث ينتشر خصوصاً في دول الجزيرة العربية ويمتد إلى السودان، بينما تنتشر الأمفيتامينات في صور كيميائية أخرى في مصر وبقية الدول العربية. هذه المخدرات تدمر حياة الإنسان وتحوله إلى ظل مضطرب.

في ظل نظام الأسد، كانت سوريا أقرب إلى دولة مخدرات نموذجية، حيث بلغت قيمة الصناعة التي ترعاها الدولة، والتي تشمل مختبرات ضخمة وحماية شبه عسكرية، عشرة مليارات دولار على الأقل، ووفرت نحو 80% من الإنتاج العالمي. بعد سقوط النظام، قامت الإدارة الجديدة في دمشق بتفكيك تلك الشبكات، حيث ضبطت السلطات السورية مئات الملايين من الحبوب، وألقت القبض على كبار المهربين. لكن التجارة لم تتوقف، بل تفرقت. فقد انتقل الكبتاغون من احتكار الدولة إلى "ريادة الأعمال غير الحكومية"، حيث أصبح الإنتاج والاتجار في أيدي أمراء حرب وقبائل وعائلات بارزة وميليشيات وجماعات مسلحة تعمل في مناطق لا تصل إليها الدولة. وتلاحظ الباحثة كارولين روز أن الإنتاج والتهريب بدآ ينتقلان إلى مناطق نزاع خارج سوريا، مثل اليمن والسودان، حيث يستغل المهربون الحرب. ففي السودان، ضبط جهاز المخابرات مختبراً صناعياً ينتج 100 ألف حبة في الساعة.

رصدت أوروبا الظاهرة نفسها بدقة أكبر، حيث حددت يوروبول 821 شبكة إجرامية تمثل أكبر تهديد لأمن الاتحاد الأوروبي. ومع إعادة التقييم في يونيو/حزيران 2026، وجدت أن 76% من تلك الشبكات لم تعد بين الأكثر تهديداً، بينما ظهرت 533 شبكة جديدة، مما يؤكد أن الجريمة المنظمة تعيد إنتاج نفسها بسرعة.

في المكسيك، أظهرت دراسة نشرت في دورية "بوليتيكال ساينس ريسيرش آند ميثودز" أن سياسة "قطع الرؤوس" التي استهدفت قادة كارتلات المخدرات ارتبطت بتفكك بعض التنظيمات الإجرامية وظهور جماعات أصغر وأكثر لامركزية مكانها. فبعد إزاحة القادة الكبار، ارتفع عدد التنظيمات الإجرامية في المناطق المتأثرة، وجاء جزء كبير من هذه الزيادة من ظهور خلايا وجماعات منشقة. وتكررت هذه الظاهرة في حالات اعتقال أو قتل زعماء كارتلات بارزين، حيث انفجر صراع بين أجنحة التنظيم وزاد عدد جرائم القتل.

عودة إلى المسيرات، فقد سمحت لمجموعات محدودة من الأشخاص بأداء مهام كانت تتطلب في الماضي عدداً كبيراً من المهربين والوسطاء. وأصبح استخدام الطائرات الموجهة عن بعد في الاتجار بالمخدرات موثقاً في التقارير الدولية، حيث تستخدم للمراقبة ومعرفة تحركات الشرطة، وكذلك لحمل المخدرات عبر الحدود. وتفصل المسيرة المهرب عن الشحنة، مما يصعب اعتراضها والقبض على المهربين. كما اتسع المفهوم ليشمل "مركبات شبه غاطسة غير مأهولة" تستخدم لتهريب المخدرات بحراً.

تكنولوجيا المسيرات، بالإضافة إلى تطبيقات الاتصال المشفر والمنصات الرقمية، خفضت كلفة التنسيق بين الأشخاص، مما جعل نموذج "الشبكة" ينافس نموذج "الكارتل". وأصبحت بعض الشبكات تعتمد على المنصات الرقمية والاتصالات المشفرة والعملات المشفرة لتوسيع عملياتها وتقليل مخاطرها، وتستعين بوسطاء ومتخصصين في النقل وغسل الأموال والخدمات التقنية. وأصبح البيع عبر الإنترنت، سواء عبر "الدارك ويب" أو وسائل التواصل الاجتماعي، نموذجاً شائعاً لتجارة المخدرات الرقمية.

يشهد سوق المخدرات اليوم ظهور مخدرات اصطناعية جديدة بوتيرة متسارعة، حيث ترصد السلطات حول العالم مواد نفسانية جديدة باستمرار. المخدرات الاصطناعية، التي تُصنع في المختبرات، لا تحتاج إلى حقول زراعية ومناخ معين، ويمكن إنتاجها في مختبرات قريبة من أسواق الاستهلاك وتعديل تركيبتها باستمرار لخداع السلطات. هذه الخصائص تمنح الشبكات مرونة أكبر وتساعدها على التعافي سريعاً. وتواجه أجهزة إنفاذ القانون صعوبة في تحديد هذه المواد الجديدة في العينات البيولوجية، مما يعيق عمل الشرطة.

دفعت هذه التحولات أجهزة الأمن إلى تغيير طريقة تفكيرها، والتوجه نحو "التعطيل المستند إلى فهم الشبكة"، أي رسم العلاقات بين المنتجين والوسطاء والناقلين وغاسلي الأموال والمتخصصين التقنيين، ثم ضرب العقد التي يعتمد عليها عدد كبير من الأطراف. وعلى الجبهة الرقمية، تبني الأجهزة الأمنية قدرات تشبه ما تستعمله الشبكات نفسها، من تحليل بيانات الاتصالات ومراقبة المنصات الرقمية. وتأتي مشاركة المعلومات بين الدول كعنصر أساسي في الاستجابة لهذه الظاهرة المعقدة.

يشبه الأمر سباقاً مستمراً؛ فتطور الشرطة طرقها في اصطياد العصابات يدفع العصابات إلى التكيف بالتحول إلى الشبكات والتقنيات الحديثة، فتستعين الشرطة بالجيش ومنظومات المراقبة، فتتكيف العصابات من جديد. ومع ذلك، فإن سوق المخدرات في نمو مستمر، حيث يقدر عدد متعاطي المخدرات عالمياً بنحو 331 مليون شخص في عام 2024. وتربط تقارير المخدرات أضرار المخدرات بالفقر والتشرد وضعف الصحة النفسية، وتنبه إلى أن اللاجئين والنازحين أكثر عرضة لاضطرابات التعاطي وأقل قدرة على الوصول إلى العلاج. وفي مناطق تمتد فيها الحرب، تجد الشبكات الصغيرة ما تحتاجه في أرض لا تصلها الدولة، ومشترين لا ينقطعون. قد تعتقل الشرطة زعيماً آخر غداً، لكن السوق التي صنعته ستجد غيره.

شارك الخبر: