قطر
تكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي في تطبيقات الدردشة: هل يحل محل محركات البحث؟

الجزيرة١٥ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٦:٢٤ ص0 مشاهدة
الذكاء الاصطناعي في تطبيقات الدردشة: هل يحل محل محركات البحث؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الذكاء الاصطناعي داخل تطبيقات الدردشة.. هل تصبح المحادثة محرك البحث الجديد؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تسعى شركات الذكاء الاصطناعي إلى تحويل تطبيقات الدردشة إلى بوابات رئيسية للوصول إلى المعلومات، متجاوزة دورها التقليدي كوسيلة لتبادل الرسائل. تشهد هذه التطبيقات تحولاً تدريجياً لتصبح المنصة التي يطرح فيها المستخدمون أسئلتهم، حيث يظهر الذكاء الاصطناعي كمساعد مدمج أو "بوت" (bot) يمكن استدعاؤه دون مغادرة التطبيق، وذلك لطرح الأسئلة، تلخيص النقاشات، صياغة الرسائل، أو تنفيذ مهام متنوعة. هذا التحول يغير طبيعة المنافسة ويفتح الباب أمام قضايا حساسة تتعلق بالبيانات، حيث تزداد أهمية تحديد البيانات التي يعالجها المساعد وحدود صلاحياته مع زيادة اعتماده على سياق المحادثة.

ميتا وتلغرام: الرهان على التكامل والبوتات

تتجه شركة ميتا نحو توفير مساعد موحد عبر منصاتها المختلفة مثل واتساب، فيسبوك، إنستغرام، وماسنجر، بالإضافة إلى الويب والتطبيق المستقل. يتيح مساعد "ميتا إيه آي" (Meta AI) الإجابة عن الأسئلة، البحث على الويب، إنشاء الصور، وتقديم المساعدة في مجالات التسوق، البرمجة، والمهام اليومية. يتكيف المساعد مع طبيعة كل منصة؛ ففي واتساب، يمكن محادثته أو استدعاؤه داخل المجموعات لطلب التوصيات أو شرح الرسائل. في إنستغرام، يرتبط بالرسائل والبحث والمحتوى المرئي، بينما يعمل في ماسنجر داخل المحادثات. أما عبر فيسبوك، فيساعد في البحث عن المنشورات والمجتمعات.

تختلف طريقة دمج تطبيقات الدردشة للمساعدات؛ فميتا تدمجها في منظومتها، بينما يتيح تلغرام استدعاءها داخل المحادثات. في بعض الحالات، يستعين "ميتا إيه آي" بالمنشورات العامة من إنستغرام وفيسبوك و"ثريدز" (Threads) لتقديم إجابات مرتبطة بما يتداوله المستخدمون، وتطمح الشركة لتوسيع قدراته لتشمل مهام مثل إعداد الخطط وكتابة المستندات وإنشاء العروض وإجراء الأبحاث المنظمة. في الثامن من أبريل/نيسان الماضي، كشفت ميتا عن "ميوز سبارك" (Llama 3)، نموذجها المغلق الجديد الذي قالت إنه يشغل المساعد بعد إعادة بنائه ودمجه فيه. وفي 29 أبريل/نيسان 2025، أعلنت عن ميزة "المعالجة الخاصة" (Private Compute)، وهي ميزة اختيارية لمعالجة مهام محددة، من بينها تلخيص رسائل واتساب واقتراحات الكتابة، ضمن بيئة سرية لا تطلع فيها ميتا على محتواها. كما أعلنت الشركة في 13 مايو/أيار الماضي عن ميزة المحادثة الخفية لمحادثات "ميتا إيه آي" (عبر واتساب وفي تطبيقه المستقل) التي تعتمد على "المعالجة الخاصة"، موضحة أن الرسائل لا تُخزن بعد الخروج من الجلسة.

ترى ميتا في هذا التوسع وسيلة لإبقاء المستخدمين والتفاعلات التجارية داخل منصاتها، حيث أشارت إلى أن أكثر من مليون نشاط تجاري يستخدم وكلاءها للأعمال أسبوعياً عبر واتساب وماسنجر للتواصل مع العملاء وإتمام المبيعات، مما يعزز دور تطبيقاتها للدردشة بوصفها قنوات للبيع، وليس للمراسلة فقط.

يختلف تلغرام عن ميتا باعتماده على البوتات وواجهات البرمجة المفتوحة نسبياً، مما أوجد بيئة تضم أدوات ذكاء اصطناعي رسمية وغير رسمية. في السابع من مايو/أيار الماضي، أعلن تلغرام ميزة تتيح استدعاء بوتات الذكاء الاصطناعي داخل المحادثات الخاصة والجماعية بذكر أسمائها، حتى إن لم تكن أعضاء فيها. تضم المنصة ملايين البوتات، وقد تتيح بعض البوتات والتكاملات الإجابة عن الأسئلة، التحقق من المعلومات، إنشاء النصوص والصور، تنفيذ المهام، أتمتة صندوق الوارد، وربط بعض الأدوات بالحسابات وفق صلاحيات محددة. كما أضاف تلغرام ملخصات ذكية للمنشورات الطويلة تعتمد على نماذج مفتوحة المصدر عبر شبكة "كوكون" (Cocoon) اللامركزية. تشمل المنصة بوت "كوبايلوت" (Copilot) الرسمي من "مايكروسوفت" (Microsoft)، في حين لا تقدم "أوبن إيه آي" (OpenAI) بوت "شات جي بي تي" (ChatGPT) رسمياً عبر تلغرام، ولا توفر "أنثروبيك" (Anthropic) بوت "كلود" (Claude) عاماً جاهزاً للمستخدمين، رغم توفيرها تكامل تلغرام ضمن "كلود كود" (Claude Code). يمكن الوصول إلى نموذجي "شات جي بي تي" و"كلود" عبر بوتات خارجية، ومنها مشاريع تسمح بالتبديل بين نماذج مختلفة في المحادثة نفسها. وهكذا يقدم تلغرام سوقاً مصغرة يختار فيها المستخدم المساعد بحسب المهمة أو النموذج أو الخصوصية، مع اعتماد بعض الخيارات على وسطاء.

من البحث إلى المحادثة

لسنوات طويلة، كان محرك البحث بوابة الوصول إلى المعلومات، حيث يكتب المستخدم سؤالاً في مربع البحث، ويحصل على مجموعة من النتائج، وينتقل بين الروابط، ويقارن الصفحات ليصل إلى الإجابة. لكن المساعد الذكي يختصر هذه العملية، وينقل جزءاً كبيراً منها إلى داخل نافذة الدردشة نفسها، حيث يجمع المعلومات، ويلخصها، ويصوغها في إجابة واحدة تعتمد على المصادر أو بيانات تدريب، وتختلف جودتها بحسب النموذج والمهمة. الإجابة الجاهزة تختصر الوقت، لكنها قد تجعل الطريق إلى المصدر أقل وضوحاً، إذ قد يتعامل المستخدم مع خلاصة واحدة بوصفها جواباً نهائياً بدل مراجعة المصدر ومقارنة وجهات النظر. لذلك، فإن المنافسة لا تُقاس بسرعة الإجابة وحدها، إنما بوضوح مصادرها وإمكانية التحقق منها.

استطلع مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) آراء 5119 شخصاً، وقال 42% من مستخدمي روبوتات الدردشة إنهم يستخدمونها للبحث عن المعلومات. كما وجد المركز أن مستخدمي صفحات بحث "غوغل" (Google) التي ظهر فيها ملخص الذكاء الاصطناعي كانوا يميلون بدرجة أقل إلى النقر على الروابط وزيارة المصدر الأصلي. ووفقاً للبيانات، فإن 8% من الزيارات إلى صفحات نتائج تحتوي على ملخص الذكاء الاصطناعي انتهت بالنقر على نتيجة بحث تقليدية، مقارنة بنسبة 15% عندما لم يظهر الملخص، في حين لم تتجاوز نسبة النقر على الروابط التي تظهر داخل الملخص نفسه 1%.

في حين وجدت دراسة أخرى نشرها معهد نورمبرغ لقرارات السوق (Nuremberg School of Market Decisions) شملت 1526 مشاركاً أن مستخدمي "شات جي بي تي" أنجزوا المهام أسرع وكانوا أكثر احتمالا للوصول إلى الحل الصحيح في مهام البحث العملية مقارنة بمستخدمي بحث "غوغل"، لكن اعتمادهم على المصادر الأصلية عبر الويب كان أقل.

الإجابة الجاهزة لا تعني معرفة أوسع

تمنح الإجابة الجاهزة داخل المحادثة المستخدم القدرة على تبسيط المصطلحات، تلخيص الوثائق، وطرح أسئلة متابعة من دون البدء من الصفر، لكن الصياغة الواثقة والمنظمة قد تخفي خطأ أو نقصاً أو اختلافاً بين المصادر. وتُعرف هلوسة الذكاء الاصطناعي بأنها إنتاج معلومات غير صحيحة أو مختلقة تبدو في صياغتها مقنعة، وقد يظهر ذلك في معلومة، اقتباس، تفسير، مصدر، أو رابط. وخلصت دراسة اختبرت 27 نموذجاً لغوياً عبر 155 موضوعاً ترتبط بـ12 دولة، باستخدام 200 صياغة مختلفة للأسئلة، إلى أن معظم النماذج قدمت تنوعاً أقل في الادعاءات والمعلومات مقارنة بمعيار البحث الأساسي عبر الويب. وتثير هذه النتيجة سؤالاً عن مدى اتساع نطاق المعرفة التي يصل إليها المستخدم حين يعتمد على إجابة مولدة واحدة بدل مقارنة مصادر متعددة، إذ قد يعرض المساعد المستخدم لمجموعة أضيق من المعلومات والزوايا مقارنة بالبحث التقليدي.

كما أن الخطأ ربما لا يكون واضحاً من أسلوب الكتابة، إذ قد يقدم المساعد تفصيلاً مختلقاً أو إجابة قديمة، وربما لا يظهر النقص إلا عند فتح المصدر أو مقارنة الإجابة بمصدر مستقل. ولذلك، ينبغي عند التعامل مع المساعدات فتح المصدر الأصلي ومقارنة ما يقوله بأدلة مستقلة عندما تتعلق المعلومة بالموضوعات الطبية والقانونية والمالية، إلى جانب طلب روابط قابلة للتحقق، والسؤال عن درجة اليقين، وعدم تفويضه باتخاذ قرار أو تنفيذ إجراء حساس اعتماداً على ملخص واحد.

لكن هذا لا ينفي أن وجود المساعد داخل تطبيقات الدردشة قد يوسع نطاق الوصول إلى المعرفة، خصوصاً لدى المستخدمين الذين يجدون صعوبة في التعامل مع محركات البحث أو قراءة النصوص الطويلة. وقد يؤدي المساعد دوراً نافعاً في مجالات عديدة تشمل تبسيط المفاهيم العلمية والتقنية، ترجمة الرسائل والوثائق، تلخيص الاجتماعات والمقالات، وتفسير الصور والرسوم، كما قد يسهم في تسهيل الاستخدام لبعض الأشخاص ذوي الإعاقة، بحسب تصميم الخدمة وإتاحة الميزات الصوتية.

الخصوصية.. من يقرأ ما تكتبه للمساعد؟

تكتسب مسألة الخصوصية أهمية خاصة عندما تدخل أدوات الذكاء الاصطناعي إلى المحادثات الشخصية، إذ إن الرسالة التي يوجهها المستخدم إلى بوت يديره طرف خارجي تصبح متاحة للجهة المشغلة وفقاً لطريقة عمل الخدمة وشروطها. ولا ينبغي افتراض أن كل بوت يخضع لضمانات الخصوصية نفسها التي يتوقعها المستخدم من تطبيق الدردشة، إذ يقول تلغرام إن بوتات الذكاء الاصطناعي المستضافة لا ترى سوى الرسالة التي يشار إليها والردود المرتبطة بها، لكن ذلك لا يغني عن معرفة الجهة المشغلة وسياسة تعاملها مع البيانات. أما ميتا، فقد أعلنت أنها تستخدم تفاعلات المستخدمين مع ميزات الذكاء الاصطناعي، ضمن الإشارات التي تساعد في تخصيص المحتوى والإعلانات عبر منصاتها، مما يكشف أن التفاعل مع المساعد لا يرتبط بالإجابة وحدها، إنما قد يصبح أيضاً جزءاً من العلاقة التجارية الأوسع بين المستخدم والمنصة.

ختاماً، يمتلك المساعد الموجود داخل نافذة المحادثة مزايا يصعب على صندوق البحث التقليدي منافستها، مثل امتلاكه للحظة الأولى لطرح السؤال، ومعرفته بسياق المحادثات والاهتمامات والعلاقات، لكن هذه المزايا ليست ضماناً للدقة، كما أن سرعة الإجابة ليست بديلاً عن التحقق. لذلك، فإن نجاح المساعد لن يُقاس بقدرته على الإجابة أو سرعتها، إنما بقدرته على معرفة متى ينبغي أن يجيب، ومتى يجب أن يطلب توضيحاً، ومتى يحتاج إلى إحالة المستخدم إلى مصدر مستقل، ومتى يمتنع عن تنفيذ المهمة.

شارك الخبر: