كيف أطاحت الكاميرات الخفية والتسجيلات السرية بأبرز إمبراطوريات الفساد في عالم الرياضة؟


هذا الخبر بعنوان "كاميرا خفية وتسجيلات سرية.. كيف أسقطت التحقيقات إمبراطوريات الفساد الرياضي؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد الكاميرات الخفية والتسجيلات السرية وشهادات المطلعين على خفايا المؤسسات مجرد وسائل تقليدية لفضح التجاوزات، بل أصبحت أدوات محورية في كشف قضايا فساد هزت كبرى المؤسسات الرياضية وطالت أسماء بارزة في شتى الألعاب. ومن أبرز الشهدات على ذلك تسريبات "القرصان" البرتغالي روي بينتو، التي أماطت اللثام عن مخالفات مالية جسيمة في كرة القدم، لتدخل نادي مانشستر سيتي الإنجليزي في قلب واحدة من أضخم الفضائح. يسلط هذا التقرير الضوء على أهم القضايا التي نجحت الصحافة الاستقصائية والمصادر السرية والمبلغون عن المخالفات في كشفها، وفضح ما شابها من تلاعب ورشاوى ومنشطات، انطلاقاً من فضيحة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، مروراً بقضايا المراهنات في الكريكيت الباكستانية وتحقيقات الجزيرة الاستقصائية، وصولاً إلى فضيحة المنشطات الروسية.
انطلق تحقيق مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) في قضايا الفساد التي ضربت كرة القدم الدولية فعلياً في عام 2010، حين بدأ المحققان جاريد راندال ومايكل غايتا تتبع شبهات الرشى المتعلقة باختيار الدول المضيفة لبطولة كأس العالم. وفي عام 2011، قادت التحقيقات إلى تشاك بلايزر، الذي يُعد من أشد مسؤولي كرة القدم نفوذاً في أمريكا الشمالية وعضو اللجنة التنفيذية لفيفا. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2011، واجه المحققون بلايزر بحساباته الخارجية وشركاته وتحويلاته المالية، مما دفعه إلى القبول بالتعاون الكامل معهم. وبين 11 ديسمبر/كانون الأول 2011 و13 نوفمبر/تشرين الثاني 2013، عقد بلايزر 19 لقاءً مع السلطات الأمريكية، وقام بتسجيل محادثات سرية جمعته بمسؤولين في فيفا مستخدماً أجهزة تنصت دقيقة.
على الرغم من أن هذه التسجيلات وحدها لم تكن كافية للقضاء على المنظومة بأكملها، إلا أنها فتحت للمحققين نافذة مباشرة على كواليسها، وساهمت في توسيع نطاق التحقيق وربط أسماء المسؤولين بملفات العمولات والرشى وحقوق البث والتسويق. وفي 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2013، اعترف بلايزر أمام القضاء الأمريكي بذنبه في 10 تهم، شملت التآمر والاحتيال وغسل الأموال والتهرب الضريبي، معترفاً بتلقيه رشى مرتبطة بتنظيم كأس العالم لعامي 1998 و2010. وبعد نحو عام ونصف، وتحديداً في 27 مايو/أيار 2015، أعلنت وزارة العدل الأمريكية توجيه الاتهام إلى 14 شخصاً ضمن لائحة تضم 47 تهمة، في قضية وُصفت بأنها أكبر مخطط فساد امتد على مدار 24 عاماً، ليتم لاحقاً في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه إضافة 16 متهماً آخرين.
في أغسطس/آب 2010، انتحل الصحفي البريطاني مازهر محمود، المعروف بلقب "الشيخ المزيف"، صفة رجل أعمال هندي له صلات بشبكة مراهنات، وبدأ تحقيقاً سرياً مع مزهر مجيد، وكيل لاعبي المنتخب الباكستاني. قام محمود بدفع نحو 190 ألف دولار على دفعتين، منها ما يقارب 177 ألف دولار نقداً تم توثيقها عبر الكاميرا الخفية، مقابل الحصول على معلومات تخص تلاعباً متعمداً في مباراة باكستان وإنجلترا في اختبار لوردز. والأمر الأخطير تمثل في تحديد مجيد المسبق لتوقيت ثلاث رميات خاطئة (No-balls)، من ضمنها رمية للاعب محمد عامر في الكرة الأولى من الجولة الثالثة، ورمية أخرى لمحمد آصف في الكرة الأخيرة من الجولة العاشرة، لتحدث تلك الرميات فعلياً في التوقيتات المرسومة بدقة.
وفي 29 أغسطس/آب 2010، نشرت صحيفة "نيوز أوف ذا وورلد" نتائج التحقيق والتسجيلات المرفقة، مما أطلق شرارة تحقيقات الشرطة البريطانية التي أسفرت عن توجيه اتهامات رسمية لكل من القائد سلمان بت واللاعبين محمد آصف ومحمد عامر والوكيل مزهر مجيد. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2011، أُدين كل من بت وآصف، بينما اعترف عامر ومجيد بالذنب، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تراوحت بين 6 أشهر و32 شهراً.
في عام 2018، استغرقت وحدة التحقيقات التابعة لشبكة الجزيرة الإخبارية 18 شهراً من العمل السري للوصول إلى أنيل مونور، أحد أهم الوسطاء في شبكات التلاعب والمراهنات برياضة الكريكيت في الهند، والذي تشير تقارير استخباراتية هندية إلى ارتباطه بشبكة "دي-كومباني" الإجرامية. واعتمد التحقيق على صحفيين متخفين وتسجيلات سرية لإثبات أن مونور زودهم بمعلومات مسبقة عن عمليات تلاعب في مباراتين هامتين، وهما مباراة الهند وإنجلترا في تشيناي عام 2016، ومباراة الهند وأستراليا في رانشي عام 2017، حيث وقعت تلك التلاعبات الجزئية تماماً كما تم وصفها مسبقاً.
وأشار مونور خلال التحقيق إلى أن شبكته قادرة على التلاعب بنسبة تتراوح بين 60 و70% من المباريات، مبيناً أنها دفعت نحو مليون دولار لرشوة لاعبين في منتخبات كبرى، فضلاً عن امتلاكها ما بين 20 إلى 25 عميلاً رئيسياً يجني بعضهم أرباحاً تصل إلى 1.5 مليون دولار للمباراة الواحدة لكل فريق من خلال المراهنات. ولم يتوقف الأمر عند ذلك؛ ففي أكتوبر/تشرين الأول 2018، أصدرت الجزيرة تحقيقاً ثانياً حمل عنوان "ملفات مونور"، واحتوى على تسجيلات هاتفية تفصيلية لـ26 عملية تلاعب شملت 15 مباراة دولية لمنتخبات مثل إنجلترا وأستراليا وباكستان. وعلى إثر ذلك، أعلن الاتحاد الدولي للكريكيت عن فتحه تحقيقاً رسمياً للتعامل بجدية مع تلك المعطيات.
في عام 2004، كسر الدراج النيوزيلندي ستيفن سوارت حاجز الصمت المتعلق بتعاطي المنشطات إبان فترة عمله مع فريق موتورولا في عام 1995، معلناً أن زملائه ومن بينهم الدراج الأمريكي الشهير لانس أرمسترونغ قد استخدموا مادة "إي بي أو" (EPO) الممنوعة.
ومع مرور السنوات، غدت شهادته ركيزة أساسية في التحقيق الذي أدارته الوكالة الأمريكية لمكافحة المنشطات (USADA)، بعدما قدم إفادته الرسمية تحت القسم في 17 سبتمبر/آب 2012. ولم تقتصر الأدلة على شهادته وحدها، بل تضافرت مع إفادات 26 شخصاً آخرين، من ضمنهم 15 دراجاً، بالإضافة إلى سجلات مالية ومراسلات إلكترونية وتحاليل مخبرية وبيانات علمية ضمن ملف ضخم تجاوز 1000 صفحة. وفي 24 أغسطس/آب 2012، فرضت الوكالة الأمريكية عقوبة الإيقاف مدى الحياة على أرمسترونغ مع إلغاء كافة نتائجه المسجلة منذ أغسطس/آب 1998، وهو القرار الذي اعتمده الاتحاد الدولي للدراجات في أكتوبر/تشرين الأول من ذات العام، لتتم تجريده من ألقابه السبعة في سباق فرنسا للدراجات التي توج بها بين عامي 1999 و2005.
في عام 2014، ظهرت العداءة الروسية يوليا ستيبانوفا برفقة زوجها فيتالي، الموظف السابق في الوكالة الروسية لمكافحة المنشطات، للعلن عبر تحقيق است الاستقصائي عرضته قناة "إيه آر دي" (ARD) الألمانية، وقدما خلاله معلومات وتسجيلات موثقة تثبت تعاطي المنشطات والتستر المنهجي على النتائج الإيجابية داخل المنظومة الرياضية الروسية.
وقد تم بث هذا التحقيق في 3 ديسمبر/كانون الأول 2014 معتمداً بشكل كبير على رواية ستيبانوفا وزوجها، وهو ما دفع الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات (WADA) لتأسيس لجنة تحقيق مستقلة في نفس الشهر. وفي 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، أعلنت اللجنة عن وجود نظام ممنهج لتعاطي المنشطات بدعم وتأثير حكومي، مما أدى إلى إيقاف اعتماد مختبر موسكو من قِبل الوكالة العالمية، إلى جانب تعليق الاتحاد الدولي لألعاب القوى لعضوية الاتحاد الروسي. ونتيجة لكشفها لهذه الفضيحة، اضطرت ستيبانوفا وزوجها للاختباء والعيش في مكان سري خارج حدود روسيا، بينما تعرض حسابها الخاص ببيانات مكافحة المنشطات للاختراق في أغسطس/آب 2016 وفقاً لتأكيدات الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات.
شهد عام 2006 هزة عنيفة في كرة القدم الإيطالية إثر تفجر فضيحة "كالتشيوبولي"، بعدما كشفت تسجيلات هاتفية مسربة عن وجود اتصالات مكثفة بين مسؤولين في أندية كبرى وشخصيات مسؤولة عن تعيين الحكام، وسط شبهات بمارسة ضغوط لتوجيه نتائج الاختيارات لصالح أندية معينة. وكان لوتشيانو موجي، المدير العام لنادي يوفنتوس، في بؤرة هذه القضية التي امتدت طالت أندية أخرى مثل ميلان وفيورنتينا ولاتسيو وريجينا.
وعلى الرغم من نفي موجي لأي اتهامات موجهة إليه وتقديم استقالته، إلا أن الهيئات الرياضية فرضت عقوبات رادعة وقاسية بحق الأندية المتورطة. وكان نادي يوفنتوس الأسوأ حظاً، إذ أُسقط إلى منافسات الدرجة الثانية، وسُحب منه لقب الدوري لموسم 2004-2005، كما أُلغي تتويجه بلقب موسم 2005-2006 الذي مُنح لاحقاً لنادي إنتر ميلان، فضلاً عن إيقاف موجي مدى الحياة عن ممارسة أي نشاط يتعلق بكرة القدم الإيطالية.
في سبتمبر/آب 2016، وصلت مسيرة سام ألاردايس على رأس الإدارة الفنية لمنتخب إنجلترا إلى خط النهاية بعد 67 يوماً فقط من توليه المهام، وذلك عقب تحقيق استقصائي سري نفذته صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية، واعتمد فيه الصحفيون على هويات مستعارة وتصوير بكاميرات خفية لكشف كواليس سوق انتقالات اللاعبين.
وخلال اجتماعاته مع الصحفيين الذين انتحلوا صفة رجال أعمال، تطرق ألاردايس إلى إمكانية الالتفاف على لوائح الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم الخاصة بملكية الأطراف الثالثة للالاعبين، وهي ممارسة محظورة تماماً، فضلاً عن التطرق لشبهات رشى وفساد في الكرة البريطانية. وعقب نشر التحقيق، غادر ألاردايس منصبه وسط حالة من الجدل حول ما إذا كان الاتحاد الإنجليزي قد تسرع في إقالته، خصوصاً أن المدرب نفى اقتراحه لأي سبل لخرق اللوائح متهماً الصحيفة بتدليس الحقائق وعدم منحه الوقت الكافي لمراجعة الأدلة.
وفي أغسطس/آب 2018، أصدرت المنظمة المستقلة المعنية بمعايير الصحافة البريطانية "إيبسو" قرارها بأن لجوء الصحيفة لأساليب التخفي والتصوير السري كان مبرراً بحكم المصلحة العامة، وأقرت بصحة موقفها في أغلب الشكاوى التي تقدم بها ألاردايس، مع إقرارها بوجود أخطاء في ثلاثة جوانب تغطية وإلزام الصحيفة بتصحيحها.
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة