سوق "هرج" في بغداد.. ملاذاً للفقراء ومزاداً للمصادفات الثمينة والتحف النادرة


هذا الخبر بعنوان "سوق "هرج".. ملجأ فقراء بغداد ومزاد المصادفات الثمينة" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ممرات تضيق بالمتسوقين والبضائع، تتجاور في سوق "هرج" ببغداد دلال نحاسية وسبح وخواتم فضية مع ملابس وأجهزة وأدوات منزلية مستعملة. ولا يقصد كثير من زواره المكان بقائمة شراء محددة، فقد يقود البحث عن قميص رخيص إلى مسبحة قديمة، أو يفتح التفاوض على جهاز مستعمل باباً لتحفة نادرة.
ما زال السوق -الذي يصفه رواده بأنه "سوق كل شيء"- يحتفظ بحضوره في المدينة رغم انتشار مراكز التسوق الحديثة، فهو ملجأ للباحثين عن احتياجاتهم بأسعار مقبولة، كما يقصده آخرون بحثاً عن مصادفة ثمينة بين أغراض خرجت من بيوت العاصمة. ويربط الباعة والرواد اسم السوق بالصخب وتداخل أصوات البائعين والمتسوقين، فيما يشبه حالة "الهرج والمرج" التي ظلت ملازمة للمكان حتى غدت اسمه الذي عُرف به.
منذ عام 1985، يعمل حسن الكناني (أبو علي) في سوق "هرج". وعلى امتداد عقود، شاهد تغيّر البضائع والزبائن والظروف الاقتصادية، لكنه يرى أن وظيفة السوق الأساسية بقيت واحدة: توفير ما يحتاجه الناس بأسعار تناسب قدراتهم الشرائية. ويصف أبو علي السوق بأنه "منقذ الفقراء من كل النواحي"، مشيراً إلى أن الزبون يمكنه العثور على ملابس مستعملة، بينها قطع من علامات تجارية معروفة، بتكلفة تقل كثيراً عن سعرها في الأسواق التجارية الأخرى.
ولا يقدّم البائعون السوق بكونه بديلاً كاملاً عن المتاجر الحديثة، بل بوصفه مكاناً مختلفاً في منطق البيع والشراء، إذ تتغير المعروضات باستمرار، ويظل التفاوض جزءاً من التجربة، بينما تمنح البضائع المستعملة أصحاب الدخول المحدودة فرصة للحصول على حاجاتهم الأساسية بتكلفة أقل.
لا يقصد الجميع سوق "هرج" من أجل الملابس أو الأدوات المنزلية؛ فبالنسبة إلى أبو مصطفى -أحد رواد المكان- يظل السوق وجهة للبحث عن المسابح والتحف والقطع القديمة الرخيصة. ويقول أبو مصطفى إن بعض الأشياء النادرة لا يُعثر عليها بسهولة في أماكن أخرى، مضيفاً بالعامية العراقية "شغلات نادرة ما تلقاها، تلقاها هنا. تحفيات قديمة تلقاها هنا ورخيصة".
أما الحاج علي فيصف السوق بأنه أقرب إلى "مزاد مفتوح"، حيث يبيع بعض الناس أغراضاً لم يعودوا بحاجة إليها، وقد يجد المتسوق بينها قطعة جيدة بثمن محدود، أو ربما تحفة لا يعرف البائع قيمتها الفعلية. ولا يعني ذلك أن كل ما يُعرض في السوق نادر أو أصلي، لكن هذا الاحتمال بحد ذاته يمثل جزءاً من جاذبيته.
بالنسبة إلى علي قاسم، الذي يعرف السوق منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، لا تختصر علاقة الناس به في الأسعار أو البضائع فحسب، إذ يقول إن ما يجذبه هو "البساطة" وطريقة تعامل الباعة مع الزبائن، إلى جانب "النكهة الخاصة" للمكان. ويستعيد أبو محمد -أحد الباعة- ذاكرته مع المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي، رابطاً السوق ببغداد القديمة وشارع الرشيد الشهير.
أما ماجد محمد فيضع سوق "هرج" وشارع المتنبي في مساحة واحدة من ذاكرة المدينة، ويصفهما بأنهما "متنفس" لا بديل له، فهما لا يقدمان سلعة أو كتاباً فحسب، بل يقدمان تجربة مرتبطة بالمكان والناس وتفاصيل بغداد اليومية.
لا يبدو اجتماع بضائع "البالة" والتحف النادرة في سوق "هرج" أمراً طارئاً، إذ يجمع المكان بين التراثيات والصور القديمة، والملابس والأجهزة والأدوات المتداولة في الأسواق الشعبية. لكن شهادات الرواد والبائعين تكشف أن قوة السوق ليست في ماضيه وحده، بل في قدرته على الاستمرار بوظيفة متجددة.
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات