قطر
منوعات

رحلة في أزقة الذاكرة والنضج: هكذا تتغير العلاقات والملامح بمرور الأيام

العربي الجديد٥ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١٠:٤٥ ص0 مشاهدة
رحلة في أزقة الذاكرة والنضج: هكذا تتغير العلاقات والملامح بمرور الأيام

تنويه

هذا الخبر بعنوان "خرج وابتسم" نشر أولاً على موقع العربي الجديد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

دفع الباب الزجاجي مستقبلاً بدفء المكان ورائحة القهوة المحمّصة، حيث كانت آلة الإسبريسو تئنّ في الطرف الآخر والصوت يتداخل في همهمة مبهمة. اختار طاولة قرب النافذة حيث الزجاج بارد إلى جوار كتفه وخلفه شارع مبتلّ ببقايا مطر خفيف. لمح من بعيد شخصاً يعرفه تغيّر شكله قليلاً وصار شعره أخفّ، وكانا قريبان ذات يوم يتحدثان طويلاً عن السفر والعمل والكتب. بعد تردّد لحظة، تبادلا التحية بابتسامة قصيرة وسؤال عابر عن الحال قبل أن يمضي كل في طريقه.

وضع النادل الفنجان وتصاعد منه بخار خفيف، فحرّك القهوة ليستمع إلى صوت الملعقة، مفكراً أن الرجل الذي صافحه بات غريباً عنه رغم ما كان بينهما، ولم يشعر بالحزن وهو ما أزعجه. في السنوات الأخيرة، لاحظ أنه ينسحب من الأشياء بهدوء، يترك الهاتف إذا تأخر الرد ولا يسأل كثيراً حين يبتعد صديق. أدرك الفرق بين الهدوء وألا يعود شيء يستحق الإثارة، فالوحدة الحقيقية ليست الجلوس في غرفة وحدك بل أن تكون بين الناس دون رغبة في الوصول لأحد.

لم يقتصر الأمر على الآخرين، بل امتد للأحلام القديمة التي اختفت دون نهاية صريحة، وتلك الأشياء التي أرادها بشدة في شبابه ثم وجد حين اقترابها أنها لم تعد تشبه الصورة الأولى. لم يكن ذلك فشلاً، بل نجاحات جاءت متأخرة بعد أن تغير الشاب الذي أرادها. وفي أحد الأيام، وقف أمام المرآة طويلاً متأملاً الخطوط الصغيرة حول عينيه والشعيرات البيضاء على جانبي رأسه، محاولةً لتذكر وجهه القديم الذي كان مليئاً بالطاقة.

فهم عندها أن أقسى أنواع الغربة هي أن تصبح غريبًا عن نفسك القديمة، وأن الصمت الذي اختاره كان وسيلة لترميم ما استهلكته السنوات. في المساء التالي، عاد إلى المقهى ذاته فرأى الرجل الذي قابله بالأمس يلوّح له من بعيد، فردّ التحية وابتسم، شاعرًا بأن شيئاً صغيراً تحرك في داخله وأنه لم يفقد القدرة على الاقتراب تماماً. نهض وتحرك نحو الباب بلا موعد أو خطة، مفكراً أن الغربة المتأخرة هي أن تحتاج لتعلم كيف تكون حاضراً في حياتك من جديد.

شارك الخبر: