وراء الأقنعة براقة.. مشاهير العالم يكشفون كواليس القلق والاكتئاب ومعارك الإدمان


هذا الخبر بعنوان "نجوم بلا أقنعة.. مشاهير يتحدثون عن القلق والاكتئاب والإدمان" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
ارتبطت صورة النجم في الثقافة الشعبية لفترة طويلة بقدر من الكمال، أو هكذا علمتنا هوليوود واستوديوهاتها صانعة النجوم، فعلى هذا النجم أن يمتلك النجاح والجمال والثقة والقدرة على تجاوز الأزمات. وفي الظل، بقيت تفاصيل الحياة النفسية والعائلية مساحة أكثر خصوصية، وإن حدث وخرج بعضها إلى العلن، يأتي على شكل فضائح قد تقضي على النجومية، أو تُروى الأزمات غالبا كمرحلة تم تجاوزها. لكن تغيرت صورة المشهور في السنوات الأخيرة، وأصبح النجوم أكثر استعدادا للحديث عن الاكتئاب والقلق والعلاج النفسي والإدمان وتجارب الطفولة الصعبة.
من المعتاد الآن نشر مقابلات ومذكرات ووثائقيات يكشف أصحابها عن جوانب شديدة الخصوصية من حياتهم. هذا التحول غيّر من طبيعة العلاقة بين النجم والمتلقي، فكلما كشف المشهور عن جزء أكثر حميمية من حياته، بدا أكثر قربا، وأصبحت المسافة التي تفصل الشخصية العامة عن الإنسان وراءها أقل اتساعا، وفي الوقت نفسه ساهمت شعبية هؤلاء النجوم في جعل الحديث عن الصحة النفسية أكثر حضورا في المجال العام، وفي تقديم تجارب كانت تُخفى أو يُنظر لها في السابق كمصدر للخجل.
شارون ستون واحدة من أوضح الأمثلة على التغير الذي طرأ على الطريقة التي يقدم بها المشاهير حياتهم الخاصة للجمهور. ففي مذكراتها وحواراتها خلال السنوات الأخيرة، عادت إلى طفولة حملت قدرا كبيرا من العنف. كشفت ستون أنها تعرضت هي وشقيقتها للاعتداء من جدهما، كما تحدثت عن أبيها العنيف وعن علاقة صعبة مع والدتها، وهي تفاصيل ظلت لسنوات بعيدة عن النجمة التي عرفها الجمهور في أفلام مثل "غريزة أساسية" (Basic Instinct) و"كازينو" (Casino).
لا تتوقف رواية ستون عند ما تعرضت له هي، إنما امتدت إلى مساحة أوسع وأكثر أهمية، فأثناء كتابتها مذكراتها، بدأت تنظر إلى أمها من زاوية مختلفة، خصوصا عندما اكتشفت أن قسوتها لم تأت من فراغ؛ فقد نشأت الأم نفسها في ظروف شديدة القسوة، بعدما أُخذت من منزلها وهي في التاسعة من عمرها لتعمل خادمة، وعاشت طفولة اتسمت بالعنف والحرمان. وعندما قرأت ستون مسودة مذكراتها على أمها، تحدثت الأخيرة معها لساعات عن حياتها، وهو ما دفعها إلى إعادة كتابة أجزاء من الكتاب، ثم إهدائه إليها في النهاية.
تجربة شارون ستون أكثر تعقيدا من مجرد حكاية نجمة قررت الكشف عن أسرار عائلتها، فالحديث عن ماضيها هو محاولة لفهم الطريقة التي تنتقل بها آثار ما عاشه الآباء إلى أبنائهم، والصورة التي يكبر عليها الطفل الذي يعيش داخل عائلة تحمل جروحا لم تُعالج من الجيل السابق. لدينا تجربة مشابهة، ولكنها مختلفة في الوقت نفسه للممثلة ومقدمة البرامج درو باريمور، التي بدأت العمل في مجال التمثيل وهي في الحادية عشرة من عمرها، وأصبحت نجمة في طفولتها، ثم عانت من الإدمان وهي لا تزال مراهقة، وخضعت للعلاج منه وهي في الثالثة عشرة، قبل أن تحصل على التحرر القانوني من والديها في الرابعة عشرة.
تتذكر باريمور تلك الفترة باعتبارها مرحلة اضطرت فيها إلى أن تتصبح بالغة قبل أوانها؛ فبعد التحرر القانوني وجدت نفسها تعيش وحدها ولا تعرف حتى كيف تدير شؤون منزلها أو مسيرتها الفنية.
في بعض العائلات، بجانب اضطرار الطفل إلى مواجهة الأذى، يتعلم أيضا أن يكون مسؤولا عن الشخص الذي يفترض أن يحميه. يصف علم النفس هذا النمط بمصطلح "الوالدية المعكوسة" (parentification)، ويحدث عندما يتحمل الطفل أدوارا عاطفية أو عملية تتجاوز ما يناسب عمره، فيصبح مقدم الرعاية أو الشخص الذي يحاول الحفاظ على استقرار البيت، وتظهر المراجعات العلمية أن هذه التجارب ترتبط لاحقا بصعوبات نفسية.
تقدم بروك شيلدز مثالا واضحا عن هذا النوع من تبادل الأدوار، وقد تحدثت بانفتاح عن إدمان والدتها للكحول، وقالت إنها أمضت طفولتها في محاولة إبقاء أمها آمنة، وإنها تعلمت منذ سن صغيرة كيف تقرأ حالتها وتستجيب وفقا لها. وفي مقابلة أخرى وصفت نفسها بأنها كانت تربيها إلى حد ما، فهي الابنة الوحيدة وشعرت أن عليها حمايتها، بينما اكتسبت المدرسة والعمل في طفولتها معنى مختلفا، فقد كانت مواقع التصوير تمنحها شعورا بالنظام والأمان في الوقت الذي كانت فيه حياتها المنزلية أكثر اضطرابا.
لا تقتصر هذه الهشاشة على النجمات، فالصورة التقليدية للرجل النجم حملت بدورها توقعا بأن يبدو أكثر تماسكا، خصوصا عندما تكون أدواره مرتبطة بالقوة والبطولة. لكن بدأت هذه الصورة في التغير مؤخرا نتيجة لصراحة عدد من الممثلين في الحديث عن معاناتهم النفسية.
كريس إيفانز، الذي ارتبط اسمه لسنوات بشخصية كابتن أميركا، تحدث عن معاناته مع القلق ونوبات الهلع، إلى درجة أنه تردد في قبول الدور خوفا من أن يؤدي الانتقال إلى مستوى هائل من الشهرة إلى تفاقم حالته النفسية. وقبل موافقته على الدور، لجأ إلى العلاج النفسي، وكان قلقه الأساسي لا يتعلق بنجاح الفيلم، وإنما بما قد tفعله الشهرة بحياته وقدرته على التعامل معها. وفي حديث لاحق قال إنه كان يجد صعوبة في الانفتاح من دون أن يغرق في الدموع، معتبرا أن الحديث عن حالته النفسية أمام الجمهور ليس موقفا بطوليا، وإنما جزء من طريقته في التعامل مع نفسه.
أما ريان رينولدز، الذي صنعت الكوميديا جزءا أساسيا من حضوره العام، فيقدم نموذجا آخر. تحدث الممثل عن معاناته الطويلة مع القلق والاكتئاب، وربط جزءا منها بالجو المتوتر الذي نشأ فيه وعلاقته الصعبة بوالده. وقال إنه لجأ إلى النكات حتى لا يضطر إلى مواجهة الحزن، بينما ظل القلق حاضرا في حياته إلى درجة أنه كان يقف خلف المسرح قبل بعض المقابلات وتحدثه نفسه بأن شيئا كارثيا سيحدث له. وفي السنوات التالية أصبح أكثر قدرة على الحديث عن هذه التجربة، حتى إنه قال إن معاناته مع القلق ساعدته في مشاعر أطفاله والتعامل معها بقدر أكبر من التعاطف.
ويأتي ماثيو بيري مثالا أكثر قسوة على المسافة بين الشخصية التي يعرفها الجمهور وما يمكن أن يخفيه صاحبها. فالممثل الذي ارتبط لسنوات بشخصية تشاندلر بينغ المرحة، تحدث في مذكراته عن معاناته الطويلة مع القلق والاكتئاب وإدمان الكحول والمسكنات، وعن سنوات من العلاج ومحاولات التعافي التي لم تكن دائما مستقرة. وعى بيري جيدا المفارقة بين صورته أمام الجمهور وما يعيشه بعيدا عن الكاميرا، وكتب عن الإدمان باعتباره مرضا ظل يطارده رغم الشهرة والنجاح. وفي عام 2023 توفي عن 54 عاما، وخلص تقرير الطب الشرعي إلى أن التأثيرات الحادة للكيتامين كانت السبب الرئيسي للوفاة، مع وجود عوامل أخرى مساهمة. تجعل قصته الاعتراف بالهشاشة أكثر من مجرد مشاركة لتجربة شخصية؛ فحتى الشخص الذي جعل الملايين يضحكون يمكن أن يخوض في الوقت نفسه معركة لا يعرف عنها جمهوره شيئا.
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات