لماذا أخفق فيلم "موت روبن هود" في شباك التذاكر رغم إشادة النقاد بجرأته؟


هذا الخبر بعنوان "لماذا فشل فيلم "موت روبن هود" جماهيريا رغم إشادة النقاد؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
الملصق الدعائي لفيلم فيلم (The Death of Robin Hood) (الجزيرة)
هل استنفدت السينما الأمريكية إمكانات حكايات الأبطال الشعبيين إلى الحد الذي بات فيه "قتل الأسطورة" هو المسار الوحيد المتبقي لإعادة إحيائها؟ تكرر هذا الاتجاه في السنوات الأخيرة مع محاولات تفكيك رموز ثقافية راسخة، من أبطال الغرب الأمريكي الذين فقدوا يقينهم الأخلاقي، إلى أبطال خارقين تحولوا من رموز للعدالة إلى شخصيات مأزومة تبحث عن الخلاص أكثر مما تبحث عن الانتصار. وفي هذا السياق يأتي فيلم "موت روبن هود" (The Death of Robin Hood) ليعيد النظر في واحدة من أشهر الأساطير الإنجليزية، بعيدا عن الاحتفاء بالبطل الذي يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء، مستعيدا جانبا أكثر قسوة من الحكايات القديمة، حيث تختلط البطولة بالدم وتتراجع الصورة المثالية أمام رجل ارتبط اسمه بالقتل والنهب بقدر ما ارتبط بالعدالة.
تدور أحداث الفيلم عام 1247، حين يعيش روبن هود (هيو جاكمان) المتعب من عقود القتل، في عزلة قاسية هربا من ماض لا يكف عن ملاحقته. وحين يطلب منه صديقه القديم إدوارد (بيل سكارسغارد)، المعروف باسم ليتل جون، المساعدة في معركة أخيرة، يوافق روبن أملا في أن تكون هذه هي النهاية التي طالما تمناها. وبعيدا عن عالم القتال الذي عرفه لسنوات، يجد روبن نفسه أمام حياة مختلفة تقوم على الرعاية والثقة بدلا من القوة. ومع اقترابه من أشخاص لا يعرفون تاريخه، يبدأ في مراجعة حياته وما تركه وراءه، لينتقل الفيلم من عنف مباشر في بدايته إلى مساحة أكثر تأملا يصبح فيها الصراع داخليا أكثر منه مع أعداء جدد.
استلهم سارنوسكي الفيلم من قصص الماضي المرتبطة بروبن هود، وعلى نحو خاص الروايات المبكرة التي لم تمنحه الصورة الجذابة التي استقرت لاحقا في الثقافة الشعبية. ولا يحاول الفيلم إثبات أن روبن هود التاريخي كان قاتلا، فذلك يصعب حسمه في ظل الطبيعة الفولكلورية للشخصية وتعدد الروايات التي تشكلت حولها عبر القرون.
لكن سارنوسكي عاد إلى هذا الموروث ليتخيل حياة قاطع طريق في العصور الوسطى، بما تحمله من قسوة وتناقضات أخلاقية، بدلا من التعامل معه باعتباره بطلا مكتملا كما استقر في المخيلة الحديثة. وهو ما يتسق مع اهتمام المخرج بشخصيات تتكشف هويتها من خلال علاقتها بالآخرين أو من خلال الأشياء التي فقدتها، ففي فيلم (Pig)، كان البحث عن الخنزير المفقود مدخلا إلى ماض البطل -الذي لعب دوره نيكولاس كيدج- وعلاقته بالعالم من حوله. أما هنا، فيصبح تاريخ روبن نفسه هو المدخل إلى الشخصية؛ إذ يضع المخرج رجلا يعرفه الجميع داخل حياة لا تشبه الصورة التي يعرفونها عنه. لهذا لا يعتمد الفيلم على المفارقة البسيطة بين روبن هود البطل وروبن هود القاتل، وإنما يمنح الشخصية مساحة رمادية تسمح برؤية الاثنين معا.
لا يمكن إنكار أن هيو جاكمان هو مركز الثقل الحقيقي للفيلم، إذ يمنح روبن هود مزيجا من الصلابة والإنهاك والندم من دون الاعتماد على الحوار لشرح تناقضاته، فيبني الشخصية من خلال الجسد والنظرات وبطء الحركة. ويكتسب الأداء بعدا إضافيا بعد عودته إلى وولفرين في "ديدبول وولفرين"، إذ يواجه جاكمان هنا أيضا شخصية تلاحقها آثار السنوات الماضية. وتقدم جودي كومر أداء هادئا متماسكا، وتمنح الشخصية حضورا أخلاقيا يتجاوز دور المرأة التي تنقذ روبن وإن ظل النص أقل اهتماما بمسارها. ومع أن بيل سكارسغارد وموراي بارتليت ونواه جوب يقدمون أداءات جيدة، فإن شخصياتهم لا تحصل على العمق الكافي.
من جهته، لا يحاول سارنوسكي تقليد أفلام روبن هود السابقة، بل يعيد تقديم الحكاية داخل عالم قاس يفتقر إلى الرومانسية التي أضافتة السينما إليها فتتحول الطبيعة إلى امتداد للحالة النفسية للشخصية. وقد مُنحت الصورة ملمسا ماديا واضحا خاصة في المناظر الطبيعية والمواقع الحجرية، مع تنويع نسب العرض بما يخدم الانتقال من العزلة والاتساع إلى القرب من الشخصيات.
رغم محاولة صنع فيلم ملحمي تاريخي جاد، كشف "موت روبن هود" فجوة واضحة بين الاستقبال النقدي والجماهيري؛ فمن جهة، حظي العمل بإشادة لجرأة الفكرة وأداء هيو جاكمان وجودة التصوير، مقابل انتقادات للإيقاع وعمق بعض الشخصيات. ومن جهة أخرى جاء شباك التذاكر أكثر قسوة، خاصة أن الفيلم قرر التخلي عن معظم العناصر التي جعلت روبن هود قابلا للتسويق مثل المغامرة المرحة والبطل التقليدي والنهاية المنتصرة، ليكون أقرب إلى دراما تاريخية نفسية موجهة إلى الجمهور البالغ.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة