موانئ مهجورة وخزانات ممتلئة: كيف يهدد الحصار البحري الأمريكي قطاع النفط الإيراني؟


هذا الخبر بعنوان "خزانات ممتلئة وموانئ مهجورة.. كيف يهدد الحصار البحري الأمريكي إنتاج النفط الإيراني؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد أزمة النفط الإيراني مقتصرة على تراجع الصادرات فحسب، بل امتدت لتشمل قدرة المنشآت على مواصلة الإنتاج؛ إذ يقطع حصار الموانئ حلقات التصدير الأخيرة، مهدداً بتحويل وفرة الخام إلى عبء ثقيل على قطاع الطاقة. وتكشف حركة الناقلات عن حجم هذا التحول، حيث لم ترصد بيانات وكالة بلومبيرغ أي ناقلة نفط عملاقة ترسو في جزيرة خارك خلال الأيام التسعة الأولى من أغسطس/آب الجاري، مقابل استقبال الجزيرة بين 7 و10 ناقلات عملاقة خلال النصف الأول من يوليو/تموز الماضي، إلى جانب 6 سفن صغيرة إبان فترة الهدنة المؤقتة التي سمحت باستئناف محدود للصادرات.
وتنعكس هذه التطورات تراجعاً مباشراً في الصادرات؛ فقد قدرت شركة كيبلر انخفاض صادرات النفط الخام والمكثفات الإيرانية بنحو 40% في أغسطس/آب مقارنة بالشهر السابق، لتصل إلى حوالي 500 ألف برميل يومياً. والأخطر من ذلك أن استمرار هذا الانخفاض لا يعكس فقط تراجع عائدات الخزينة الإيرانية، بل يضع عملية الإنتاج نفسها في مواجهة اختبار صعب، نظراً لأن النفط الذي يعجز عن شق طريقه نحو الأسواق بحاجة ماسة إلى التخزين.
وتشير مستويات التخزين الحالية إلى ضيق هامش المناورة الإيراني، حيث تجاوز امتلاء الخزانات البرية نسبة 50%، بينما بلغت نسبة امتلاء خزانات جزيرة خارك نحو 64%. ومع طول أمد تعطل حركة التصدير، تتراكم الكميات داخل منظومة الإنتاج، مما يرفع احتمالية اضطرار الشركات لخفض الإنتاج عند اقتراب الخزانات من طاقتها الاستيعابية القصوى.
وفي هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي بيمان مولوي للجزيرة أن إيران ركزت خلال الأشهر الثلاثة الماضية على تخزين النفط القادم من المنشآت ومحطات التكرير، مشيراً إلى صعوبة زيادة السعات التخزينية بسهولة خلال أوقات الحرب، وملفتاً الانتباه في الوقت ذاته إلى تضرر نحو 20% من القدرة الإنتاجية لقطاع الغاز.
وتجسد هذه المعطيات هدفاً استراتيجياً للضغط الأمريكي؛ فواشنطن لا تكتفي بحرمان إيران من عائدات النفط، بل تسعى لجعل تصدير الخام أكثر كلفة وتعقيداً، بما يصعّب الحفاظ على مستويات الإنتاج مع مرور الوقت. ورغم أن خطوط الأنابيب البرية قد تبدو حلاً منطقياً لتجاوز الحصار البحري، إلا أن قدرتها تظل محدودة مقارنة بحجم النقل عبر الناقلات. ويؤكد مولوي أن الأنابيب قادرة على تقديم مساعدة مؤقتة لإيران، مستدركاً بأن البلاد لم تتوصل بعد إلى مسار بري يضاهي الطاقة الاستيعابية للنقل البحري.
وتبرز في هذا الإطار خيارات مرتبطة بكل من العراق وأذربيجان وباكستان، غير أن تفعيلها كبدائل حقيقية يتطلب بنية تحتية واستثمارات واتفاقات سياسية مع دول العبور، وهي عملية متعذرة التنفيذ على عجالة، لا سيما أن تمويل مشاريع الأنابيب يشترط إيرادات نفطية مستقرة يحاصرها تراجع الصادرات. فضلاً عن ذلك، لا يخلو الاعتماد على دول الجوار من مخاطر سياسية، فحتى لو نجحت إيران في نقل جزء من إنتاجها براً، ستظل بحاجة إلى شبكة مسارات وأسواق أوسع لتعويض خسارة الموانئ الجنوبية.
على صعيد التداعيات، لا تتوقف آثار اضطراب صادرات الطاقة عند حدود الاقتصاد الإيراني؛ إذ لفت مدير مكتب الجزيرة في باريس عياش دراجي إلى ارتفاع معدل التضخم في فرنسا ليصل إلى 2.1% في يوليو/تموز الماضي مقابل 1.8% في يونيو/حزيران، بالتزامن مع قفزة أسعار الطاقة بنسبة 12.6% على أساس سنوي، مما يعكس حساسية الاقتصادات المستوردة تجاه أزمات المنطقة.
وأمام هذا المشهد، يرى مراقبون أن تشديد واشنطن الخناق على صادرات إيران يضاعف الضغوط على طهران، بينما يمتلك اضطراب الإمدادات القدرة على رفع تكلفة الطاقة في الأسواق العالمية. ويحذر محللون من أنه في حال استمرار الحصار، فقد تنتقل الأزمة تدريجياً من مجرد تراجع في الصادرات إلى تقييد فعلي للإنتاج، لتغدو الخزانات الممتلئة مؤشراً رئيسياً على حدود قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد