تأملات في عتبة السبعين: بين وحدة الشيخوخة ووفاء الأقطار والذكريات


هذا الخبر بعنوان "وأنتَ على بُعد شبر من السبعين" نشر أولاً على موقع العربي الجديد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
ها قد صار القطّ صديقك المقرب، حتى إنه يخدشك أحياناً ليذكرك بطبيعته الخاصة، رغم أنك جلبته صغيراً بحجم فأر، وكان يهرب خوفاً في الشتاء إن قربته من وسادتك. ها أنت ذا على بُعد خطوة واحدة من السبعين، قد أتممت بناء قبرك ووضعت القفل على بابه، ونبتت أمامه نبتة صبّار، بينما تدفع ثمن الماء للتُرْبي باستمرار. أصبحت المسافة بينك وبين المقبرة أيسر بعد أن استراحت المراكب من حمل الزوار إثر تشييد الكوبري على البحر.
في الماضي، كانت رحلة المركب عبر لجّة الماء نحو المدافن هادئة، نقطعها من الزرع غرباً إلى الشرق حيث الرمال والأحجار وعيال المقابر على الدرج. والآن، فوق الكوبري، نشعر كأننا ذهبنا بالسيارات لإنهاء تجارة ما وعدنا سريعاً. أنت على بُعد شبر من السبعين، ولم ترَ البحر منذ سنوات طويلة، ولعلك لم تحبه يوماً. تقترب السبعين بسرعة شديدة كالثعبان الزاحف على ما تبقى من أيامك.
سبعون سنة قضيتها بين ذكريات طفولة وصبا، من حقن البلهارسيا والقفز في الترع وتسلّق النخيل، وصولاً إلى غرفتك الهادئة حيث يقاسمك القط الوسادة وبرودة التكييف بتنمر لطيف. ينتظرك عند الباب إن غبت ساعات، ويدعك رأسه بقدميك، متسائلاً إن كان ذلك بسبب وحدة السبعين التي تشبه الضفة الأخرى من النهر؛ ضفة قريبة ترى أشجار الموز والنخيل فيها رغم بعد، ضفة بلا مركب عودة وغامضة تماماً.
تجلس على الضفة الأولى متأملاً تلك الضفة البعيدة القريبة من أنفاسك المتعَبة، بينما تحاول الابتعاد عن ألعاب القرود وحركاتهم التي لا تريد تركك وشأنك. وفي السبعين، تمسك الحصى متأمله بعد أن كنت تهمله سابقاً، مسترجِعاً تلك البلدان التي أتاك منها. أما القط، فينسى مخالبه التي غرزها في يدك ليُداعب قدميك برأسه، كأنه يدعوك لنسيان ذلك الحصى تماماً كما ينسى هو خدوشه ويقاسمك نصف السرير.
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات