رحلة نصف قرن في تفاصيل الزي المدرسي الأردني.. ذاكرة أجيال وتحولات مجتمعية


هذا الخبر بعنوان "قطعة قماش تختصر نصف قرن.. قصة الزي المدرسي الأردني" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على امتداد أكثر من نصف قرن، لم يكن الزي المدرسي في الأردن لمجرد قطعة ملابس تتغير ألوانها وتصاميمها مع مرور السنوات، بل ظل جزءاً راسخاً من ذاكرة أجيال متعاقبة، وشاهداً حياً على التحولات التي شهدها المجتمع والمدرسة والسوق معاً.
في مدينة الزرقاء شمال شرقي العاصمة عمان، يحتفظ خالد مرعي، صاحب أحد أقدم محال الملابس المدرسية في الأردن، بذاكرة عريقة تمتد إلى عام 1974، حين بدأ مسيرته في بيع الزي المدرسي من خلال "بسطة"، في زمن لم تكن فيه المحال الشعبية منتشرة بالشكل المعهود اليوم. ويستعيد مرعي البدايات موضحاً أن عدد البسطات في الزرقاء آنذاك لم يكن يتجاوز خمس بسطات، حيث كان شقيقه يعمل في إحداها عند باب سوق النصر، قبل أن تنتقل العائلة لاحقاً إلى محل كان في الأصل مستودعاً للحبوب.
ويشير مرعي إلى أن المنطقة التي انطلق فيها تجارياً كانت تضم محال للملابس المستعملة ومستودعات، ولم يكن افتتاح محل شعبي للملابس أمراً مألوفاً، مما دفع بعض المارة للاستغراب، قبل أن يتحول المحل بمرور الأيام إلى وجهة مقصودة لعائلات الزرقاء ومخيمها، ويتوارث الأبناء التعامل معه جيلاً بعد جيل.
يستطيع مرعي اليوم أن يرسم خطاً زمنيسرسم خطاً زمنياً للملابس المدرسية الأردنية مستعيناً بالقطع القديمة وتصاميمها. ويوضح أن زي الطالبات كان حاضراً منذ عقود، حيث ظهر "المريول" في المرحلة الابتدائية أساساً بتصميمين هما "السحب" و"الكسرات"، واللذان بقيا شائعين طوال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. ومن المحطات الفارقة التي يعتز بذاكرتها عام 1984، حين ظهرت البدلات المدرسية للمرحلتين الابتدائية والإعدادية مصحوبة بتغييرات في الألوان والتصاميم.
وفي لقطة تعكس عمق التجربة، يلفت مرعي الانتباه إلى أن أطفالاً ارتدوا تلك البدلات في الثمانينات أصبحوا اليوم أطباء ومحامين وقضاة. ورغم تغير درجات الألوان وتفاصيل القصات عبر العقود، بقيت الفكرة الجوهرية ثابتة: دخول الطلبة إلى المدرسة بمظهر متقارب يمنع إظهار الفوارق الطبقية من خلال الملابس اليومية.
من جانبها، تؤكد التربوية الأردنية فريال العكور أن وظيفة الزي المدرسي تتجاوز حدود المظهر والتنظيم لتلامس أبعاداً اجتماعية وتربوية عميقة. وتوضح أن الزي الموحد يسهم بفعالية في محو الفوارق داخل المدرسة، جامعاً الطلبة من مستويات اقتصادية واجتماعية متباينة في مرتبة واحدة، فضلاً عن الحد من التنافس على الماركات والملابس وما تستطيع الأسر إنفاقه. وذكرت أن بعض المدارس تحرص على توفير الزي مجاناً للطلبة من الأسر غير المقتدرة للحفاظ على المساواة.
ولا تقتصر أهمية الزي على ذلك، بل تمتد لتعزيز الانضباط والانتماء للمؤسسة التعليمية، حيث استذكت العكور فترة عملها كمديرة مدرسة في ضبط تفاصيل المظهر العام من تسريحات شعر وربطات وأغطية رأس وطول الزي، مؤكدة أن الهدف الأساسي يكمن في جعل المدرسة مساحة للتنافس في التحصيل العلمي والسلوك لا في المظهر والقدرة الشرائية.
وفيما يخص التكلفة المادية، يشير أسعد القواسمي، عضو مجلس إدارة غرفة تجارة عمان، إلى أن الزي المدرسي المحلي متوفر بكميات وفيرة مع استقرار نسبي في الأسعار مقارنة بالأعوام الماضية. تتراوح أسعار زي طالبات المرحلة الابتدائية الحكومية بين 5 و6 دنانير، وترتفع إلى ما بين 7 و9 دنانير للمرحلتين الإعدادية والثانوية. بينما تتراوح تكلفة زي الطلاب الذكور في الابتدائية بين 6 و8 دنانير، وتصل إلى ما بين 9 و10 دنانير للإعدادية والثانوية، مع اختلاف أسعار المدارس الخاصة.
وبإضافة الحقيبة المدرسية التي يتراوح سعرها بين 4 و10 دنانير، تتراوح تكلفة الزي والحقيبة للطالب الحكومي بين 9 و20 ديناراً تقريباً، دون احتساب الأحذية والقرطاسية. ويُقدر القواسمي حجم مستوردات الأردن لموسم العودة للمدارس بأكثر من 25 مليون دينار.
بعد نصف قرن من العمل، يرى خالد مرعي أن السوق تغير وتطور نحو تنظيم أكبر، لكن الرؤية والمعيار الذي يضبط عمله ظل ثابتاً: تقديم ما يرضيه لنفسه ليكون مرضياً لزبونه، لتستمر حكاية قطعة القماش التي تختصر تاريخاً كاملاً من ذاكرة الأجيال والمدارس في الأردن.
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات