فقاعة تقنية أم ثورة حقيقية؟ تصاعد المخاوف بشأن استدامة الذكاء الاصطناعي وفقدان السيطرة على نماذجه


هذا الخبر بعنوان "فقاعة أم ثورة.. لماذا بدأ الخوف يلاحق طفرة الذكاء الاصطناعي؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع التسارع الكبير الذي شهدته تقنيات الذكاء الاصطناعي، بدت الطفرة وكأنها سباق لا يعرف سوى اتجاه واحد، متضمنة استثمارات بمليارات الدولارات ونماذج أكثر قدرة ووعودا بثورة إنتاجية قد تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي. لكن خلف هذا الصعود السريع، بدأت تظهر أسئلة من نوع مختلف، فالتقييمات الضخمة تصطدم باختبار استدامة نماذج الأعمال، والاستثمارات في مراكز البيانات تعتمد بصورة متزايدة على الديون، بينما تكشف نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها عن قدرات وسلوكيات يصعب على مطوريها أحيانا توقعها أو السيطرة عليها.
وتكشف تحليلات أمريكية كيف بدأت هذه المخاوف تتقاطع فيما بينها، من الشكوك بشأن استدامة التقييمات والاستثمارات الضخمة، إلى التساؤلات بشأن تكلفة النمو الذي تعد به التقنية، وصولا إلى مخاطر النماذج المتقدمة نفسها. فهل يواجه العالم فقاعة استثمارية قابلة للانفجار، أم أن الثورة حقيقية لكن تكلفتها الاقتصادية أكبر مما كان متوقعا؟ وكيف انتقل الخوف من خسارة الأموال والوظائف إلى القلق من فقدان السيطرة على التكنولوجيا نفسها؟
مع تدفق مليارات الدولارات إلى قطاع الذكاء الاصطناعي وخروجها منه، تتزايد المخاوف من تشكل فقاعة اقتصادية على غرار أزمة عام 2008. وفي حلقة من بودكاست "الآراء" (The Opinions) التابع لصحيفة نيويورك تايمز، يناقش ديفيد والاس-ويلز، كاتب الرأي في الصحيفة، مع أستاذة الاقتصاد في جامعة "ييل" ناتاشا سارين إن كانت الضجة المحيطة بالذكاء الاصطناعي مبالغا فيها، ومدى وجاهة المخاوف من انهيار اقتصادي. ويرى والاس-ويلز أن هناك خطرا من أن يكون الذكاء الاصطناعي مبالغا في تقييمه على نحو واسع، بما قد يؤدي إلى انفجار فقاعة أو اضطرابات في السوق.
ويوضح أن الرواية السائدة تقوم على أن الذكاء الاصطناعي قادر على إحداث تحول شامل، وأن قدراته تتحسن بسرعة أكبر مما يدركه كثيرون، بما قد يقود إلى تحول اقتصادي تجني معه الشركات الأولى التي تعبر خط النهاية أرباحا على نطاق غير مسبوق، وهو ما يثير حماس المستثمرين. وتقول سارين إن تقييمات الشركات تتضمن افتراضا بأنها ستكون الفائزة بهذه التكنولوجيا وأن نماذج أعمالها ستصمد، متسائلة عما يعنيه ذلك للاقتصاد إذا لم يتحقق، خصوصا إذا أدت المنافسة من المصادر المفتوحة إلى تقويض نماذج أعمال شركتي "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي" وخفض قيمتهما.
وتضيف أن شركات التكنولوجيا الكبرى التي تبني البنية التحتية لمراكز البيانات ظلت أعواما تمتلك سيولة ضخمة، لكنها أصبحت الآن تتحمل ديونا كبيرة لتمويل هذه الاستثمارات. ومع ذلك، تتوقع سارين أن تقود هذه التكنولوجيا على المديين المتوسط والطويل إلى نمو اقتصادي كبير، لكنها ترى أن الأقل وضوحا هو من سيكون الفائز ومن سيكون الخاسر نتيجة هذا النمو، وهل الأسماء التي تتصدر المشهد حاليا ستظل أهم اللاعبين، خصوصا مع تنامي أهمية المصادر المفتوحة. وتذهب سارين إلى أن ذلك قد يؤدي في النهاية إلى تصحيح في السوق، لأن هذه الشركات إذا بدت أقل أهمية، فلن يصبح ممكنا تبرير تقييماتها الحالية المرتفعة.
وبينما قد تحمل طفرة الذكاء الاصطناعي وعودا بنمو اقتصادي كبير، فإن تحقيق هذه الوعود لا يعني بالضرورة أن تكلفتها ستكون محدودة أو أنها ستقدم حلا للمشكلات الاقتصادية القائمة. ففي مقال نشرته مجلة فورين أفيرز، يناقش كينيث روغوف -أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد- هذه المفارقة مع اقتراب الدين الفدرالي الأمريكي من 40 تريليون دولار، وهو ما يعادل تقريبا ديون بقية الاقتصادات المتقدمة الكبرى مجتمعة، مضيفا أن مسار الدين الأمريكي بدا منذ فترة طويلة "غير قابل للاستدامة".
ويوضح روغوف أن بعض مؤيدي الذكاء الاصطناعي يرون أن التطورات التكنولوجية الحالية قد تجعل هذه المشكلة تختفي، إذ سيؤدي انتشار الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد -وفق هذه الرؤية- إلى نمو هائل يولّد إيرادات ضريبية جديدة تساعد في سداد الدين. لكنه يقول إن خفض عبء الدين يتطلب تحقق هذه الإيرادات فعليا، وألا تفرط الحكومة في إنفاق المكاسب التي تحصل عليها، مشيرا إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي سترفع على الأرجح معدلات الفائدة، مما يجعل خدمة الدين أكثر تكلفة.
كما يلفت الكاتب إلى أن مكاسب الذكاء الاصطناعي في الإنتاجية قد تستغرق وقتا أطول بكثير مما يعتقد معظم مستثمري وادي السيليكون، إذ يرى كثير من الاقتصاديين أن الزيادة الأكثر ترجيحا خلال العقد المقبل ستكون أقرب إلى 1% أو 2%، وهي نسبة تظل كبيرة، لكنها قد تتقلص جزئيا بفعل تكاليف شيخوخة السكان وتصاعد الشعبوية والتراجع عن العولمة. ويضيف روغوف أن تحقيق هذه المكاسب قد يواجه عقبات أخرى، إذ قد يؤدي الانتقال إلى الذكاء الاصطناعي إلى مشكلات مرتبطة بالاستخدامات العسكرية والهجمات السيبرانية أو الذكاء الاصطناعي الخارج عن السيطرة، بما قد يجبر صناع السياسات على إبطاء تطبيقه بصورة كبيرة.
ولا تتوقف المخاوف المحيطة بطفرة الذكاء الاصطناعي عند تداعياتها الاقتصادية، إذ بدأت قدرات بعض النماذج المتقدمة تثير تساؤلات بشأن مدى قدرة مطوريها على توقع سلوكها والسيطرة عليها. ويقول الكاتب ماتيو وونغ -في مقال نشرته مجلة أتلانتيك- إن الأزمة بدأت في سبتمبر/أيلول 2024، عندما أعلنت "أوبن إيه آي" نوعا جديدا من النماذج يُعرف بـ"نماذج الاستدلال"، ودُرّب على إنجاز مهام صعبة تستغرق وقتا طويلا.
ويوضح وونغ أن هذه النماذج أظهرت سلوكيات تجاوزت حدود المقلق إلى الخطير، إذ تمكنت نماذج متقدمة من شركات "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" و"ميتا" وشركة "مونشوت إيه آي" الصينية خلال اختبارات روتينية من الخروج من الأنظمة الداخلية والوصول إلى الإنترنت، في حين أفادت الشركات الثلاث الأولى بأن نماذجها اخترقت شركات أخرى، مضيفا أن البشر لم يلاحظوا هذه الاختراقات إلا بعد وقوعها.
ووفق المقال، اتضح أن واقعة الاختراق -التي نفذتها نماذج "أوبن إيه آي" وسُجلت في يوليو/تموز الماضي- كانت أسوأ مما بدت عليه في البداية، إذ قدّم باحثان من "أوبن إيه آي" تفاصيل جديدة ومقلقة عما حدث. وتبين أن تحركات النماذج بدأت في مايو/أيار الماضي، بعدما كلفت الشركة بعض نماذجها الداخلية بمهام صعبة، فخلصت إلى أن الطريقة الوحيدة لإنجازها هي الخروج من بيئة الاختبار المغلقة والبحث عن الإجابات عبر الإنترنت، مستخدمة ثغرة في برنامج داخلي لإنشاء مساحة خاصة للتواصل وتبادل الملاحظات.
ويلخص وونغ خطورة الواقعة بالقول إن مجموعة من نماذج الذكاء الاصطناعي تعاونت على مدى أشهر من دون أن يكتشف مطورها ذلك، واخترقت شركة أخرى، مضيفا أن "أوبن إيه آي" لا تزال غير متأكدة تماما مما حدث أو كيفية معالجته، وهو ما يجعل احتمال عمل وكلاء الذكاء الاصطناعي بصورة جماعية مقوضة للتوجيهات البشرية أمرا يستند إلى مؤشرات واقعية متزايدة.
تكنولوجيا
تكنولوجيا
تكنولوجيا
اقتصاد