قطر
رياضة

لامين جمال: تمرد موهبة برشلونة على تقاليد "لا ماسيا" بلمسة الشارع

الجزيرة٣ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٤:٣٦ م0 مشاهدة
لامين جمال: تمرد موهبة برشلونة على تقاليد "لا ماسيا" بلمسة الشارع

تنويه

هذا الخبر بعنوان "خريج لا يشبه مدرسته.. كيف تمرد لامين جمال على تقاليد "لا ماسيا"" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

خطف لامين جمال الأنظار بمراوغته المذهلة أمام غلطة سراي التركي في دوري أبطال أوروبا، مسجلاً هدفاً افتتاحياً في فوز برشلونة العريض على ريال بيتيس (5-2). هذا الهدف لم يكن مجرد لحظة عابرة، بل وثيقة فنية تختزل مسيرة فتى لم يبلغ التاسعة عشرة من عمره، نصب نفسه أيقونة لجيل يبحث عن الشغف في زمن التكتيكات الصارمة. بقدمه اليسرى المتمردة، وحركات "الكعب الملتوي" وفنون التمويه، يبعث جمال نبضاً حياً في ملاعب أنهكتها الحسابات الرياضية الجافة، مقدماً بروفايلاً استثنائياً يكسر القالب التاريخي لخريجي أكاديمية "لا ماسيا".

إن التكوين الحقيقي لشخصية جمال لا ينفصل عن جغرافية نشأته؛ إذ تمتد جذوره الفنية إلى بلدة "ماتارو"، وتحديداً أزقة حي "روكافوندا" الشعبي الواقع على مشارف برشلونة. هذا المراهق ليس صنيعة تدريبات داخل قاعات مغلقة، بل هو نتاج خالص لـ "كرة الشوارع" بتلقائيتها وخشونتها ودهائها. وحين وطأت أقدامه العشب المهذب في الأكاديمية الكتالونية، لم يبتلع القالب التكتيكي الخام، بل حرص على حماية بصمته الأولى مستنداً إلى مبادئ فردية واضحة: الاحتفاظ بعنصر المباغتة، والقدرة على تغيير الإيقاع في مواقف الواحد ضد واحد دون تردد، وترقية الحركات المهارية من مجرد استعراض شكلي إلى أداة اختراق حاسمة ونافعة للمنظومة ككل، والجمع المتقن بين مكر كرة الضواحي وسرعة التمرير وقراءة المساحات التي تميز فلسفة "التيكي تاكا".

يفسر جوردي فينيالس، المدرب الأسبق للفئات السنية بالنادي، هذه التركيبة المغايرة بأن لامين يدفع بفن المراوغة نحو حدوده القصوى، مؤكداً أن الفكر الكروي لبرشلونة اعتاد دائماً على استيعاب تلك النماذج الاستثنائية؛ فكما كان ليونيل ميسي يحسم المباريات بمجرد منحه المساحة الكافية للمواجهة الثنائية، تتكرر المقاربة ذاتها اليوم مع يامال لفك شفرات الدفاعات المتكتلة.

تتجلى فرادة جمال في قدرته على الجمع بين ثقافتين كرويتين متباينتين، وهو ما دفع المحلل الأرجنتيني خورخي فالدانو إلى اعتباره كائناً كروياً يفوق بيئة "لا ماسيا" دهاء ومراساً، لأنه يرتكز على مزيج فريد من خبث الشارع والانضباط النظري الصارم. وخلال العقد الأخير، لا تكاد تجد تشابهاً جمالياً لأسلوب لامين سوى في ملامح البرازيلي نيمار وجرأة البرتغالي ريكاردو كواريسما؛ حيث تجمع المراوغة لديه بين الخفة والفاعلية. ويصف فالدانو هذا الأداء الانسيابي مشيراً إلى أن جمال يمتلك بنية جسدية تتسم بمرونة فائقة، تجعله لا يقتحم المساحات الضيقة بالعنف أو القوة البدنية، بل ينساب من خلالها كما ينساب السائل في الشقوق، صانعاً الفارق بأقل حركة ممكنة.

لم يتوقف تمرد الفتى عند حدود الميدان التكتيكي، بل امتد ليعيد صياغة السلوك النفسي للاعب البلوغرانا؛ ففي الوقت الذي ارتبطت فيه صورة أساطير الأكاديمية، مثل تشافي وإنييستا وبوسكيتس، بالهدوء المفرط والانصهار شبه التام خلف هوية الفريق، يقتحم يامال المشهد بشخصية حادة وجرأة تصل حد الاستفزاز الفني المدروس، وهي سمات يفرضها واقعه كجناح هجومي يواجه الضغوط في الخطوط الأمامية. وقد رافق هذا الحضور اللافت تصاعد في هواجس الجماهير حيال نموه الجسدي المتسارع واقتراب قامته من حاجز المتر وثمانين سنتيمتراً، خشية أن يثقل هذا التحول خطواته أو يفقده خفته المعهودة. إلا أن فينيالس سارع إلى تبديد هذه المخاوف، مؤكداً أن التطور البيولوجي يتطلب بطبيعة الحال تكيفاً حركياً مستمراً، ومستشهداً بأسماء أسطورية تجاوزت هذا الطول ببراعة مثل رونالدينيو وتييري هنري، في ظل وجود رعاية رياضية متكاملة تضمن للاعب سلاسة العبور نحو النضج الجسدي الكامل دون المساس برشاقته.

في حقبة باتت فيها الهياكل التدريبية الصارمة تصادر خيال الأجنحة وتحد من شجاعتهم الفردية، يسلك لامين جمال درباً منفرداً يعيد من خلاله كتابة القواعد وتأسيس نموذج يحتذي به الجيل القادم. إذ يبدو النجم الإسباني كأنه وقع معاهدة غير معلنة مع الزمن، يتحكم في سرعته وتدفقه وفقاً لمشيئته داخل الملعب. وحين يستوعب المدافع أبعاد الفخ الذي أُوقع فيه، تكون اللحظة قد فاتت، فلا يتبقى أمامه سوى الركض خلف سراب جناح راوغ ومضى دون أن يكلف نفسه حتى مشقة الالتفات لتوديع خصمه.

شارك الخبر: