عقيدة إسرائيل الأمنية الجديدة: بين الاستيطان والحرب والعزلة بعد 7 أكتوبر


هذا الخبر بعنوان "الحرب والاستيطان والحدود المتحركة.. العقيدة الأمنية لإسرائيل بعد 7 أكتوبر" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد مرور ثلاث سنوات على أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تتبلور في إسرائيل عقيدة أمنية جديدة تسعى لإعادة تشكيل هوية الدولة، متجاوزةً مجرد منع الهجمات وحماية الحدود لتشمل توسيع السيطرة على الأرض. ترتكز هذه العقيدة على الاستيطان، والحرب الاستباقية، والهوية القومية الدينية كركائز أساسية للأمن. يرى بعض الباحثين الإسرائيليين في هذا التحول ضرورة للبقاء، بينما يحذر آخرون من أنه قد يقود إلى حروب دائمة وعزلة دولية.
لم يعد إخفاق 7 أكتوبر مجرد قضية استخباراتية وعسكرية، بل أصبح مدخلاً لإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، وحدود استخدام القوة، وعلاقة الجيش بالمستوطنات والهوية السياسية للدولة. وفي دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، حدد اللواء احتياط تامر هيمان، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية ورئيس المعهد، 10 مبادئ لعقيدة أمنية جديدة يرى أنها تحكم سلوك إسرائيل دون أن تتبناها الحكومة رسمياً. تتمثل أبرز هذه المبادئ في أولوية الهوية اليهودية على الديمقراطية، والتعامل مع السلام كوسيلة مؤقتة، واعتبار الحرب حالة مستمرة، وتفضيل الهجوم الوقائي، وإنشاء مناطق دفاعية أمامية، وتعميق الاستيطان، وتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة. ويحذر هيمان من أن تغيير مفهوم الأمن القومي يختلف عن تعديل السياسة الأمنية لحكومة معينة، لأنه يعكس تحولاً محتملاً في هوية الدولة ومكانتها الدولية.
الهجوم قبل الردع
تتجلى المفارقة في أن بعض المراكز البحثية الإسرائيلية لا تعارض التحول الذي يحذر منه هيمان، بل تطالب بتسريعه. ففي دراسة نشرها معهد القدس للإستراتيجية والأمن في 17 مارس/آذار 2025، دعا البروفيسور إفرايم عنبار، الباحث في الشؤون الإستراتيجية، إلى مراجعة العقيدة العسكرية الإسرائيلية، معتبراً أن الاعتماد على الردع والإنذار المبكر وسياسة الاحتواء أثبت فشله في أكتوبر/تشرين الأول 1973 وأكتوبر/تشرين الأول 2023. وطالب عنبار بتوسيع الجيش النظامي والاحتياط، وتعزيز الدفاع، وتبني إستراتيجية هجومية تتضمن الضربات الاستباقية. وفي المعهد نفسه، قدم العقيد احتياط غابي سيبوني والعميد احتياط إيرز فاينر، في دراسة بتاريخ 22 يوليو/تموز 2025، تصوراً يستند إلى مبدأ "الجدار الحديدي" لزئيف جابوتنسكي، مع التخلي عن سياسة الاحتواء والعودة إلى الحسم العسكري والإنفاذ الهجومي الصارم.
في المقابل، حذر عوفر شيلح، رئيس برنامج سياسة الأمن القومي في معهد دراسات الأمن القومي، في 4 أغسطس/آب 2026، من أن تحويل القوة إلى أداة لإخضاع المنطقة بصورة مستمرة قد يستنزف إسرائيل، ويقوض قدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج إستراتيجية.
الاستيطان عقيدة أمنية
يمثل الاستيطان نقطة التقاء العقيدة العسكرية بالمشروع السياسي لليمين الديني والقومي؛ إذ يتحول من واقع يخصص الجيش قوات لحمايته إلى وسيلة مفترضة لإنتاج الأمن وتغيير الحدود. وفي مقال نشره المحلل الإسرائيلي المتخصص في الشؤون الفلسطينية ميخائيل ميلشتاين بصحيفة يديعوت أحرونوت في 9 أغسطس/آب 2026، بعنوان "الصخرة الوجودية.. التصور الجديد لإسرائيل"، حذر من تحول السيطرة على الأرض إلى معيار للنجاح العسكري، في ظل العجز عن تحقيق الحسم المعلن على الجبهات المختلفة. وفي المقابل، دافع المحلل اليميني نداف شرغاي، في إسرائيل هيوم بتاريخ 23 يوليو/تموز 2026، عن إقامة المستوطنات حتى في قطاع غزة، معتبراً أن إعادة الأراضي المحتلة بعد الحروب تسمح للخصوم باستعادة مواقعهم، وأن السيطرة الدائمة على الأرض تمثل رادعاً أكثر فاعلية.
وتبرز هنا دراسة مرجعية لمركز "مولاد" بعنوان "العبء الأمني للمستوطنات"، خلصت إلى نتيجة معاكسة للطرح اليميني: فالانتشار المدني الإسرائيلي داخل الضفة لا يوفر، وفق الدراسة، حماية إضافية للدولة، بل يطيل خطوط الدفاع ويستهلك القوات والموارد ويضاعف الاحتكاك بالفلسطينيين. وهي دراسة أقدم من الحرب الحالية، لكنها توفر أساساً لمقارنة الادعاءات الأمنية الجديدة بسجال إسرائيلي ممتد.
دولة المليشيات
لا يقتصر التحول على الجغرافيا، بل يشمل توزيع مسؤولية الأمن بين الجيش والمدنيين المسلحين. ففي 15 يونيو/حزيران 2026، دعا غابي سيبوني وإيرز فاينر، في دراسة نشرها معهد القدس بعنوان "المعركة على البيت"، إلى جعل التجمعات السكنية وفرق التأهب والدفاع الإقليمي طبقة أولى في منظومة الحماية، بالتوازي مع إنشاء حرس وطني قادر على التدخل السريع. وطور الباحثان الفكرة في 23 سبتمبر/أيلول 2026، عندما اقترحا اعتبار التجمع السكني والحي والسلطة المحلية وحدات أساسية للدفاع. لكن هيمان يرى أن هذا النموذج يعكس انقلاباً في أحد المبادئ المؤسسة للدولة؛ فبدلاً من أن يتقدم الجيش لحماية المدنيين، يصبح انتشار المدنيين المسلحين في مناطق الاحتكاك جزءاً من الدفاع الأمامي.
حدود متحركة
يمثل مفهوم "الدفاع الأمامي" ترجمة جغرافية للعقيدة الجديدة، عبر إنشاء مناطق أمنية خارج الحدود تسمح بنقل القتال إلى أراضي الخصوم. لكن العميد احتياط عيران أورتال، الباحث في مركز بيغن السادات، حذر في 12 فبراير/شباط 2025 من أن الاكتفاء بإنشاء مناطق عازلة قد يدفع إسرائيل إلى مواجهات مع عصابات طويلة تستنزف قواتها دون تحقيق حسم. واعتبر أورتال أن التحدي الحقيقي هو إعادة بناء القدرة العسكرية على الحسم، بدلاً من الخلط بين السيطرة الميدانية والانتصار الإستراتيجي. وتكشف هذه القراءة الفارق بين الدفاع عن حدود قائمة والسعي إلى إنشاء حدود جديدة باستمرار؛ ففي الحالة الثانية، تصبح كل منطقة سيطرة إضافية التزاماً عسكرياً جديداً، يفرض حمايتها ويزيد احتمالات الاحتكاك والاشتباك.
يمين أكثر رسوخاً
تكتسب العقيدة الجديدة بُعداً أيديولوجياً واضحاً حين تصبح الهوية القومية الدينية أساساً لتحديد الأولويات الأمنية، وهو التحول الذي يحذر منه هيمان باعتباره تهديداً للتوازن المعلن بين يهودية الدولة وديمقراطيتها. وفي 10 مايو/أيار 2026، كشف الصحفي يوتام ديشا في إسرائيل هيوم عن مساعٍ يمينية لتفكيك اتفاقيات أوسلو تدريجياً عبر توسيع السيطرة العسكرية والاستيطان في الضفة، حتى دون إلغائها رسمياً. وفي قراءة مقابلة، ربط الباحث نيفو شبيغل، في دراسة نشرها مركز "مولاد" بتاريخ 9 يوليو/تموز 2025 بعنوان "فشل الردع"، بين مفهوم إدارة الصراع وبين تمكين المشروع الاستيطاني، معتبراً أن الاعتماد على الضربات العسكرية المتكررة سمح بتجنب معالجة الجذور السياسية للصراع.
يتزامن تعظيم القوة العسكرية مع نزعة إلى تقليص الاعتماد على الشركاء الدوليين، حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف العلاقات التقليدية التي استند إليها الأمن الإسرائيلي. وفي دراسة نشرها معهد القدس للإستراتيجية والأمن في 24 يوليو/تموز 2026، دعا غابي سيبوني وإيرز فاينر إلى تعزيز الاستقلال في إنتاج الذخائر، على خلفية القيود الخارجية التي أثرت في إمدادات إسرائيل العسكرية خلال الحرب. لكن معهد "متفيم" الإسرائيلي المتخصص في السياسة الخارجية حذر، في تقريره عن اتجاهات النصف الأول من 2026، من تراجع استقلال القرار الإسرائيلي بسبب استمرار اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة، بالتزامن مع تدهور علاقاتها بأوروبا وابتعادها عن مسارات الاندماج الإقليمي. وتكشف نتائج استطلاع عرضه مدير المعهد الدكتور غيل مورسيانو على القناة 12 في يونيو/حزيران 2026 عن إدراك متزايد لهذه المشكلة؛ إذ أعرب 77% من الإسرائيليين عن القلق من تحول بلادهم إلى دولة منبوذة دولياً، بينما اعتبر 71% أن الانتماء إلى المعسكر الديمقراطي الليبرالي مهم لإسرائيل. وهكذا لا تبدو العزلة مجرد نتيجة محتملة للحرب، بل تحدياً قد يجبر صانع القرار الإسرائيلي على بناء عقيدته العسكرية والاقتصادية على أساس استمرارها.
مستقبل الدولة
تطرح هذه التحولات سؤالاً يتجاوز حكومة بنيامين نتنياهو والانتخابات المقبلة: هل تشهد إسرائيل تغييراً مؤقتاً فرضته صدمة "7 أكتوبر"، أم انتقالاً تاريخياً إلى نموذج دولة تضع الحرب والتوسع في قلب هويتها؟ ولا يبدو الجدل محسوماً؛ فبينما يرى معهد القدس وبعض كتاب اليمين أن الأمن يستلزم مزيداً من المبادرة العسكرية والتسلح والاستيطان، يحذر باحثو معهد دراسات الأمن القومي ومركز مولاد ومتـفيم من الاستنزاف وإطالة الصراع وتراجع الشرعية الدولية. ويكشف هذا الاختلاف أن معركة العقيدة الأمنية لا تتعلق بالقدرة على الانتصار عسكرياً فحسب، بل بتعريف الانتصار نفسه، وما إن كان يتطلب السيطرة الدائمة على الأرض أو تحويل القوة إلى ترتيبات سياسية أكثر استقراراً. وبذلك تواجه إسرائيل مفارقة إستراتيجية: كلما توسعت بحثاً عن الأمن، ازدادت المناطق التي تحتاج إلى حمايتها؛ وكلما اعتمدت على الحرب لتثبيت تفوقها، تراجعت فرص التسوية. وبين الاستيطان والقومية الدينية والعزلة الدولية، قد يعيد مفهوم الأمن الجديد تشكيل هوية الدولة أكثر مما يعالج إخفاق "7 أكتوبر".
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة