من "الموت لأمريكا" إلى اتفاق عدم الاستهداف: كشف تاريخ المفاوضات السرية بين الحوثيين والولايات المتحدة


هذا الخبر بعنوان "قصة الاتصالات السرية بين أمريكا والحوثيين" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على امتداد أكثر من عقدين، ظل شعار "الموت لأمريكا" أحد أبرز مكونات الخطاب السياسي والعقائدي لجماعة الحوثيين في اليمن. لكن هذا العداء المعلن لم يمنع نشوء قنوات اتصال مع الولايات المتحدة، تطورت تدريجيا من التواصل غير المباشر إلى المفاوضات السياسية والأمنية، وصولا إلى اتفاق متبادل لوقف الاستهداف في مايو/أيار 2025. هذه المفارقة هي نقطة الانطلاق في تقرير "من شعار الموت لأمريكا إلى اتفاق عدم الاستهداف.. ماذا تعرف عن تاريخ مفاوضات الحوثيين السرية مع أمريكا؟"، الصادر عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية في أكتوبر/تشرين الأول 2026، من إعداد الباحث أيمن عمر. يتتبع التقرير مسار العلاقة بين الحوثيين وواشنطن منذ المواقف الأمريكية المبكرة تجاه الجماعة، مرورا بمشاركتها في العملية السياسية اليمنية، والمفاوضات التي جرت خلال إدارات باراك أوباما ودونالد ترمب وجو بايدن، وانتهاء بالاتصالات التي شهدتها العاصمة العمانية مسقط في سبتمبر/أيلول 2026. ويطرح سؤالا يتجاوز مجرد إثبات وجود المفاوضات، وهو أمر تؤكده تصريحات ووثائق أمريكية معلنة.. على ماذا تفاوض الطرفان؟ وما طبيعة التفاهمات التي توصلا إليها؟ وكيف أمكن التوفيق بين خطاب العداء الأيديولوجي والمصالح السياسية والأمنية التي فرضت التواصل؟
العداء في الخطاب والتفاهم في السياسة
يبدأ التقرير بتفسير المكانة التي احتلتها الولايات المتحدة في الخطاب الحوثي، مستندا إلى دراسة للباحث بيتر سالزبري، صدرت عن المعهد الملكي للشؤون الدولية "تشاتام هاوس" في فبراير/شباط 2015. وتربط الدراسة نشأة الجماعة ببيئة الإحياء الزيدي وتنظيم "الشباب المؤمن"، ثم بتصاعد خطاب حسين بدر الدين الحوثي المناهض للسياسات الأمريكية، مع الإشارة إلى تأثر الشعار بالنموذج الثوري الإيراني. غير أن التقرير لا يعتبر التفاوض مع واشنطن دليلا قاطعا على غياب القناعة الأيديولوجية لدى الحوثيين؛ إذ يرى أن الاعتقاد العقائدي والحسابات السياسية العملية قد يتعايشان، بحيث تستمر الولايات المتحدة في موقع الخصم ضمن الخطاب التعبوي، بينما يصبح تجنب المواجهة المباشرة معها مصلحة مرحلية.
ويستحضر في هذا السياق برقية دبلوماسية صادرة عن السفارة الأمريكية في صنعاء بتاريخ 9 ديسمبر/كانون الأول 2009، ظهرت ضمن تسريبات "ويكيليكس". وتكشف البرقية أن سياسة السفارة آنذاك كانت تقوم على عدم الاتصال المباشر بالحوثيين مراعاة لحساسية الحكومة اليمنية، لكنها ميزت بين خطاب الجماعة المناهض لأمريكا وبين سلوكها الفعلي، الذي لم يكن يستهدف المواطنين أو المصالح الأمريكية في تلك المرحلة. ويكتسب هذا التمييز أهميته من أنه يوضح أن واشنطن لم تكن تتعامل مع الشعارات وحدها بوصفها مقياسا للتهديد، وإنما كانت تنظر أيضا إلى القدرات العسكرية والأهداف العملياتية والسلوك على الأرض. وينقل التقرير شهادة للدكتور محمد قيزان، وكيل وزارة الإعلام اليمنية، عن حوار قال إنه أجراه مع السفير الأمريكي جيرالد فايرستاين في أواخر عام 2010. وبحسب روايته، تحدث السفير عن وجود اتصالات مع الحوثيين، شملت زيارات إلى صعدة ولقاءات مع عبد الملك الحوثي، مع نفي وجود تنسيق معهم. ويضع التقرير هذه الشهادة في حدود قيمتها التوثيقية، فلا يعتبرها دليلا حاسما على وجود علاقة سرية مبكرة، لكنه يقارن مضمونها بتصريحات علنية أدلى بها فايرستاين عام 2012، قال فيها إن الولايات المتحدة لم تكن تعتبر الحوثيين أعداء، وإن شعار "الموت لأمريكا" كان يؤدي، في تقديره، وظيفة التعبئة والحشد السياسي. ومن هذه الوقائع يستخلص التقرير أن الاختلاف بين الخطاب الحوثي والسلوك تجاه المصالح الأمريكية كان معروفا لدى واشنطن قبل سنوات من الإعلان الرسمي عن المفاوضات.
من الحوار الوطني إلى الاتصالات المباشرة
شهدت المرحلة الانتقالية اليمنية التي أعقبت عام 2011 تطورا مهما في الموقف الأمريكي من مشاركة الحوثيين في العملية السياسية. ففي فبراير/شباط 2013، أكدت وزارة الخارجية الأمريكية أهمية المشاركة الكاملة لمكونات المجتمع اليمني في مؤتمر الحوار الوطني، وذكرت الحوثيين بالاسم. وشارك ممثلو الجماعة في المؤتمر بحصة بلغت 35 مقعدا من أصل 565. ويشير التقرير إلى أن هذه المشاركة لم تكن مشروطة بالتخلي عن السلاح، مستندا إلى دراسات تناولت تجربة الحوار الوطني، وإلى مقال للكاتب محمد جميح تحدث فيه عن اعتراضات يمنية على مشاركة الحوثيين دون تسليم أسلحتهم. لكن التقرير يميز بين إدماج الجماعة في العملية السياسية وبين وجود تفضيل أمريكي لها. فهو يرى أن المقاربة التي سادت آنذاك افترضت إمكان تحقيق المشاركة السياسية قبل معالجة مسألة السلاح، غير أن التطورات العسكرية خلال عامي 2013 و2014 أظهرت أن المشاركة في الحوار لم تمنع استمرار المواجهات المسلحة. وبعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، دخلت العلاقة مع واشنطن مرحلة جديدة. ففي 29 يناير/كانون الثاني 2015، نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" تقريرا عن توسيع الولايات المتحدة اتصالاتها بالحوثيين، في إطار البحث عن انتقال سياسي مستقر ومواجهة تنظيم القاعدة. ثم أعلنت الخارجية الأمريكية في 2 يونيو/حزيران 2015 أن مسؤولين أمريكيين التقوا ممثلين عن الحوثيين في سلطنة عمان خلال الأسبوع السابق، وبرز في تلك التحركات اسم آن باترسون، مساعدة وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى.
وجاءت هذه الاتصالات في وقت كانت فيه إدارة أوباما تقدم دعما لوجستيا واستخباريا للعملية العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن، وهو ما يكشف عن مسارين متوازيين في السياسة الأمريكية.. دعم العمليات العسكرية من جهة، والإبقاء على قنوات الاتصال السياسي من جهة أخرى. ويبرز التقرير الهدف وهو تبادل الرسائل ومعالجة ملفات إنسانية، من بينها الإفراج عن محتجزين أمريكيين. وفي يونيو/حزيران 2015، أفرج عن الصحفي الأمريكي كيسي كومبس وتكرر هذا التداخل خلال عام 2016، حين تناولت الاتصالات الإفراج عن أمريكيين وترتيبات نقل وفود وإجلاء جرحى. وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، التقى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ممثلين عن الحوثيين في عمان، وأعلن تفاهمات بشأن وقف الأعمال القتالية اعتبارا من 17 نوفمبر/تشرين الثاني، ضمن تصور أوسع للتسوية السياسية. غير أن وزير الخارجية اليمني آنذاك، عبد الملك المخلافي، رفض الإعلان، مؤكدا أن الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا لم تكن على علم به. وتكشف هذه الواقعة، بحسب مسار التقرير، عن إحدى الإشكاليات التي صاحبت المفاوضات.. قدرة واشنطن على التواصل مع الحوثيين بصورة مباشرة، في وقت لم تكن فيه نتائج هذه الاتصالات تحظى بالضرورة بموافقة الحكومة اليمنية.
من إدارة ترمب الأولى إلى عهد بايدن
لم تتوقف الاتصالات الأمريكية الحوثية مع انتقال السلطة في واشنطن إلى إدارة دونالد ترمب الأولى. ففي سبتمبر/أيلول 2019، أعلن مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر أن الولايات المتحدة تجري محادثات مع الحوثيين بحثا عن حل تفاوضي مقبول. وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" قد تحدثت عن التحضير لفريق تفاوضي يقوده السفير الأمريكي كريستوفر هنزل. ويلفت التقرير إلى أن مجرد إعلان واشنطن وجود محادثات مع الجماعة اكتسب قيمة سياسية لدى الحوثيين؛ إذ اعتبر القيادي حميد عاصم الإعلان الأمريكي انتصارا ودليلا على صواب موقف الجماعة، دون أن يؤكد المحادثات أو ينفيها. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2020، شهدت العلاقة صفقة أكثر وضوحا، حين أفرج الحوثيون عن الأمريكيين ساندرا لولي وميكائيل جيدادا، وأعيدت رفات الأمريكي بلال فاتين، مقابل ترتيبات شملت عودة أكثر من مئتي مقاتل حوثي إلى اليمن. ويرى التقرير أن هذه الصفقة مهمة لفهم تطور العلاقة، لأنها توضح أن التفاهمات مع إدارة ترمب لم تبدأ باتفاق مايو/أيار 2025، بل سبقتها ترتيبات إنسانية وأمنية خلال ولايته الأولى، وإن كانت تختلف في طبيعتها ونطاقها عن اتفاق وقف الاستهداف اللاحق. ومع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، شهد الملف تحولا آخر. ففي فبراير/شباط 2021، ألغت الإدارة الأمريكية تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، وكذلك تصنيفهم كيانا إرهابيا عالميا محددا، وهما التصنيفان اللذان أقرا في نهاية إدارة ترمب الأولى. وبررت واشنطن القرار بتداعيات التصنيف الإنسانية، دون أن يعني ذلك الاعتراف بحكومة الحوثيين أو إلغاء جميع العقوبات المفروضة على قيادات الجماعة. وفي الشهر نفسه، التقى المبعوث الأمريكي إلى اليمن تيموثي ليندركينغ كبير المفاوضين الحوثيين محمد عبد السلام في مسقط، بحسب ما نقلته رويترز في مارس/آذار 2021، وتناولت الاتصالات جهود التسوية ووقف الهجوم على مأرب. وفي أبريل/نيسان 2021، قدم ليندركينغ شهادة أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، أكد فيها أهمية إدماج الحوثيين في حل سياسي، بشرط المشاركة السلمية والجادة. لكن استخدامه لاحقا وصفا يفيد بأن الحوثيين "فاعل شرعي" أثار جدلا، استدعى توضيحا من الخارجية الأمريكية يؤكد أن واشنطن تعترف بالحكومة اليمنية، لا بحكومة الحوثيين. وهنا يميز التقرير بين الاعتراف بالجماعة طرفا مؤثرا في النزاع، وبين الاعتراف بها سلطة حاكمة تتمتع بشرعية دولية.
مباحثات غير مباشرة
مع تصاعد الهجمات على السفن في البحر الأحمر عقب أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخلت الاتصالات الإقليمية والدولية مرحلة جديدة، اتسعت فيها الملفات الأمنية المرتبطة بالملاحة الدولية. وفي مارس/آذار 2024، كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" عن محادثات غير مباشرة جرت في عمان خلال يناير/كانون الثاني بين وفدين أمريكي وإيراني، تناولت هجمات البحر الأحمر إلى جانب الملف النووي. ويشدد التقرير على ضرورة التمييز بين هذه المحادثات، التي جرت مع إيران بشأن الحوثيين، وبين الاتصالات المباشرة مع الجماعة نفسها. وفي سبتمبر/أيلول 2024، نقلت رويترز عن القيادي الحوثي محمد البخيتي أن الولايات المتحدة عرضت الاعتراف بحكومة الجماعة مقابل وقف الهجمات. لكن الوكالة نقلت في التقرير ذاته نفيا أمريكيا لهذه الرواية، ووصف أحد المسؤولين الادعاء بأنه مختلق بالكامل. ويتعامل التقرير مع هذه الواقعة بوصفها ادعاء متنازعا عليه، وليس حقيقة مثبتة، في سياق التمييز بين التصريحات السياسية والاتفاقات الموثقة. ثم جاءت عودة ترمب إلى البيت الأبيض عام 2025 لتفتح مرحلة مختلفة، اتسمت بالجمع بين الضغط العسكري والبحث عن تفاهمات أمنية محددة. ففي 22 يناير/كانون الثاني 2025، أصدر ترمب أمرا ببدء إجراءات إعادة تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، ودخل التصنيف حيز التنفيذ في 5 مارس/آذار. وبعد عشرة أيام، بدأت الحملة العسكرية الأمريكية ضد الحوثيين، المعروفة باسم "راف رايدر". غير أن العمليات العسكرية لم تمنع استئناف المسار الدبلوماسي. فبحسب تحقيق نشرته رويترز في 13 مايو/أيار 2025، رصدت واشنطن في الأيام الأولى من الشهر مؤشرات على رغبة الحوثيين في إيجاد مخرج من المواجهة، فتحرك المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف عبر الوساطة العمانية، التي تواصلت مع محمد عبد السلام، ونقلت المقترحات إلى عبد الملك الحوثي. كما نقل التحقيق عن مصادر أن إيران شجعت الحوثيين على التفاوض. وفي 6 مايو/أيار 2025، أعلنت سلطنة عمان التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة والحوثيين.
اتفاق مايو 2025.. ماذا تضمن فعليا؟
يولي التقرير أهمية خاصة لبيان وزارة الخارجية العمانية الصادر في 6 مايو/أيار 2025، باعتباره المرجع الأولي الأوضح لفهم مضمون الاتفاق المعلن. فقد نص البيان على ألا يستهدف أي من الطرفين الآخر، بما في ذلك السفن الأمريكية في البحر الأحمر وباب المندب، وربط التفاهم بحرية الملاحة وانسياب حركة الشحن التجاري. لكن التقرير ينبه إلى أن البيان لم يتضمن معاهدة تفصيلية منشورة، أو آلية للتحقق من التنفيذ، أو مدة زمنية محددة، أو ترتيبات لنزع السلاح أو تسوية مسألة الحكم في اليمن. كما لم يتضمن رفع العقوبات الأمريكية عن الحوثيين. ومن هنا يخلص التقرير إلى أن الوصف الأدق هو اتفاق متبادل لوقف الاستهداف، ضمن نطاق معلن ومحدود، وليس اتفاق سلام شامل أو اعترافا أمريكيا بحكومة الحوثيين. وقد قدم ترمب الاتفاق باعتباره نتيجة لتراجع الحوثيين عن مهاجمة المصالح الأمريكية، بينما سعى الحوثيون إلى تقديم وقف الحملة العسكرية الأمريكية باعتباره مكسبا لهم. ويشير التقرير إلى أن الطرفين استطاعا توظيف النتيجة سياسيا، رغم اختلاف الروايتين بشأن أسباب التوصل إليها. لكن التطورات اللاحقة أظهرت حدود الاتفاق. ففي 20 يونيو/حزيران 2025، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات جديدة استهدفت أشخاصا وكيانات وسفنا مرتبطة بشبكات تمويل الحوثيين وتجارة النفط والشحن. ويرى التقرير أن استمرار العقوبات يوضح أن وقف الضربات العسكرية لم يكن يعني انتهاء سياسة الضغط الأمريكية. وفي يوليو/تموز 2025، أغرقت سفينتان تجاريتان، هما "ماجيك سيز" و"إتيرنيتي سي"، وكانتا ترفعان علم ليبيريا وتديرهما شركات يونانية. ولا يعتبر التقرير هذه الهجمات خرقا تلقائيا للاتفاق الأمريكي الحوثي، لأن نطاقه المعلن يتعلق بعدم الاستهداف المتبادل، لكنه يستدل بها على أن الاتفاق لم يؤد إلى إنهاء المخاطر التي تواجه الملاحة الدولية في البحر الأحمر. ويستند كذلك إلى بيانات المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب، التي تشير إلى تنفيذ الحوثيين ما لا يقل عن 200 هجوم بحري ضد سفن تجارية دولية وسفن بحرية أمريكية وحليفة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأكتوبر/تشرين الأول 2025، وإغراق أربع سفن تجارية على الأقل خلال تلك الفترة، وفقا للتقييم الأمريكي الذي ينقله التقرير.
اتصالات سبتمبر 2026.. استمرار التفاهمات رغم الخلافات
لا يتوقف التقرير عند اتفاق مايو/أيار 2025، بل يتابع ما يورده عن اتصالات جديدة شهدها سبتمبر/أيلول 2026. ففي 12 سبتمبر/أيلول، نقلت رويترز أن ترمب أكد خلال محادثة مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أن الحوثيين تواصلوا مع إدارته وطلبوا عدم تدخل الولايات المتحدة مباشرة في القتال، وذلك في سياق تطورات عسكرية على الساحل اليمني وتجدد المخاوف بشأن باب المندب. وبعد أيام، نقلت رويترز عن مصادر مطلعة أن مسؤولون أمريكيون التقوا ممثلين عن الحوثيين في السفارة الأمريكية بمسقط. وبحسب الرواية التي يعرضها التقرير، أبلغ ممثلو الحوثيين الجانب الأمريكي أنهم لا يعتزمون استهداف السفن الأمريكية، وأنهم ملتزمون بتفاهم وقف إطلاق النار الذي توصل إليه الطرفان في مايو/أيار 2025. كما نقل التقرير عن مصدر يمني أن الحوثيين تعهدوا بعدم استهداف السفن الإسرائيلية أو السفن التجارية الأخرى، مع استثناء السفن السعودية. ويذكر أن الوفد الحوثي ضم محمد عبد السلام وعبد الملك العجري، فيما مثل الجانب الأمريكي موظفون في السفارة. لكن التقرير ينبه إلى عدم صدور بيان مشترك أو نص اتفاق معلن عن الاجتماع، وإلى امتناع الخارجية الأمريكية عن تأكيد تفاصيله. وبذلك يظل ما ورد بشأن هذه الاتصالات مستندا إلى المصادر التي نقلت عنها رويترز، وليس إلى وثيقة رسمية مشتركة.
من الشعار إلى المصالح.. ماذا تكشف المفاوضات؟
يقدم التقرير تاريخ المفاوضات الأمريكية الحوثية بوصفه مسارا تراكميا، لا سلسلة من الوقائع المنفصلة. ففي البداية، كانت واشنطن تميز بين خطاب الجماعة وسلوكها، ثم دعمت مشاركتها في العملية السياسية، قبل أن تنتقل إلى التواصل المباشر معها بعد سيطرتها على صنعاء. ومع استمرار الحرب اليمنية، اتسعت موضوعات الاتصال لتشمل الإفراج عن المحتجزين، ونقل الوفود والجرحى، والبحث عن تسوية سياسية، ثم أصبحت سلامة الملاحة البحرية وعدم الاستهداف المتبادل في مقدمة الملفات. وتكشف هذه المراحل، بحسب التقرير، أن العلاقة لم تكن قائمة على العداء المطلق أو التقارب المستمر، وإنما على مزيج من المواجهة والتفاوض، تحدده طبيعة المصالح والتهديدات في كل مرحلة. أما المفارقة الرئيسية التي يركز عليها التقرير، فتتعلق بالفجوة بين مركزية شعار "الموت لأمريكا" في الخطاب الحوثي، وبين الوصول إلى تفاهمات هدفها المعلن حماية المصالح الأمريكية من الاستهداف، مقابل وقف العمليات العسكرية الأمريكية ضد الجماعة. غير أن التقرير نفسه يوضح أن هذه التفاهمات لا تعني انتهاء الخلاف الأيديولوجي، أو تحول العلاقة إلى شراكة سياسية، أو اعتراف واشنطن بحكومة الحوثيين. وتتمثل الخلاصة التي يقدمها في أن التفاوض مع الولايات المتحدة أصبح جزءا من الممارسة السياسية والأمنية للحوثيين، رغم استمرار الخطاب المناهض لها؛ وأن اتفاق مايو/أيار 2025 يمثل أبرز محطات هذا المسار، لا بدايته ولا نهايته. وبذلك يعرض التقرير تجربة تكشف كيف يمكن للأطراف المتخاصمة أن تحافظ على خطاب المواجهة، بينما تتفاوض في الوقت نفسه على قواعد تحد من تكاليف الصراع وتحمي مصالحها المباشرة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة