إرث الاستملاك في سوريا: صراع بين حقوق الملكية ومتطلبات إعادة الإعمار بعد سقوط الأسد


هذا الخبر بعنوان "إرث الاستملاك في سوريا.. تجاذبات حفظ الملكية وإعادة الإعمار" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعد قوانين الاستملاك في سوريا، ومصير مئات الآلاف من العقارات والأراضي المستملكة على مدار عقود، من أكثر القضايا تعقيدًا في المشهد السوري بعد سقوط نظام الأسد. تتشابك تداعيات عقود من المراسيم والقرارات الاستملاكية مع مطالبات شعبية واسعة بالإنصاف، في مقابل طرح تشريعي وقانوني يركز على مؤسسية الدولة ومتطلبات التنمية وإعادة الإعمار.
بعد سقوط نظام الأسد، انتعشت آمال الكثيرين ممن طالت قوانين الاستملاك أملاكهم خلال العقود الماضية. وفي بعض المناطق، خرجت مظاهرات تندد بإقامة مشاريع استثمارية في أراضٍ مستملكة، يزعم أصحابها أنهم لم يُعوضوا عنها بقيمة مناسبة.
جذور المشكلة وتعدد المرجعيات التشريعية
كانت هذه القضية محور نقاش مفصل في أحدث حلقات "صالون الجمهورية" عبر منصة "سوريا الآن". تنوعت محاور النقاش بين تاريخ الاستملاكات في سوريا والإشكالية التي خلفتها تركة كبيرة من الاستملاكات على الحكومة الجديدة.
يعود مفهوم الاستملاك قانونيًا إلى كونه أداة سيادية تنفذ بها الدولة التوازن بين حق الفرد في ملكيته الخاصة وحق المجتمع في التنمية والتطوير لبناء الطرق والمطارات والمستشفيات والجسور والثكنات العسكرية. صدر أول قانون للاستملاك بعد الاستقلال بوقت قصير برقم 272 لعام 1946، تبعه قانون عام 1974، وصولًا إلى المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1983 الذي وسع قائمة المشاريع ذات النفع العام لتشمل المشاريع المرتبطة بالخطط الإنمائية والاستثمارية.
جرت الاستملاكات عبر مئات المراسيم والقرارات المنفصلة طوال ثمانية عقود في دمشق وريفها، لا سيما في مناطق قدسيا، والمعضمية، والصبورة، ووادي بردى، وداريا، وبساتين المزة وكفرسوسة، ومحيط مطار المزة العسكري. كانت الإجراءات القديمة تقتصر على لجان إدارية تقديرية لا تقبل الطعن أمام القضاء العادي، وتعتمد قيمًا تاريخية مجحفة لا تتماشى مع معدلات التضخم وتراجع القيمة الشرائية للعملة. كما وُضعت إشارات الاستملاك أو استُولي على أراضٍ زراعية واسعة دون استخدامها للغايات التي استملكت من أجلها.
المطالب الأهلية
تعكس الطروحات الأهلية حجم الاحتقان الشعبي والشعور بالظلم لدى أهالي المناطق المستملكة. يعبر المتضررون عن رفضهم القاطع لاستمرار العمل بهذه القوانين، معتبرين أن "الاستملاك قانون جائر وتسلط على ملكية فردية". بينما اعتبر آخرون أن ما يجري هو "تجميل لقوانين الأسد التي صدرت في فترة حرب شعواء بين النظام وشعبه".
تطرح الروابط الأهلية والمتضررون، ومن بينهم ممثلو رابطة إسقاط المرسوم 66 وأهالي وادي عتمة وكيوان، رؤية تؤكد أن سقوط نظام البعث يجب أن يتبعه "إلغاء جريمة منظمة قام بها النظام لسرقة أراضي الناس والسيطرة عليها تحت مظلة المنفعة العامة". يطالب أصحاب الحقوق بإعادة الأراضي والعقارات إلى أصحابها الأصليين، مشيرين إلى أن "عقود الاستملاك حولت مزارعين ومالكين أصليين إلى نازحين ومهمشين في مناطقهم"، وضربت النسيج الديموغرافي والاجتماعي.
ينتقد المتضررون استمرار عمل بعض الوجوه والجهات الإدارية التي كانت تدير الفساد عبر المراسيم السابقة، مطالبين بتجميد فوري للمرسوم 66 ومشروع "باسيليا سيتي"، ورافضين "تطبيق الاشتراكية على حساب أملاك الشعب وخيرات البلد".
إكراهات الواقع ومؤسسية الدولة
في مقابل الطرح المطلبي الداعي للإلغاء الجذري، تؤكد القراءات القانونية والتشريعية ضرورة التعاطي وفق الإطار الموضوعي لعمل الدول وضرورات استمراريتها المؤسساتية. يوضح المحامي المتخصص بقضايا الاستملاك علي حسن أن "قانون الاستملاك ليس قانونًا سوريًا بحتًا، بل قانون موجود في جميع دول العالم، ويتعرض للجدل والمناكفات ما بين المالك والسلطة والإدارة". يحذر من أن "إلغاء الاستملاك يعني إعلان انهيار رسمي للدولة وإفلاسها". يضيف حسن أن النقاش يجب ألا يخلط بين "المظالم والكوارث والجرائم التي تمت أثناء النظام، وبين تحميل الخلف ذنوب السلف" في إدارة الدولة ومرافقها الحيوية.
من جانبه، يبين المهندس وعضو مجلس الشعب والخبير بالتقييم العقاري جمال النميري أن "قانون الاستملاك ليس قانونًا واحدًا، بل هناك أكثر من 500 مرسوم وقانون صدرت بين عامي 1958 و2023". يشير إلى أن المؤسسة التشريعية والحكومية تتعاطى مع هذا الإرث الثقيل عبر لجان تخصصية تضم عشرات النواب لدراسة الملف وتعديل أو إلغاء ما يلزم لرفع الجور، مع الالتزام بالإعلان الدستوري الذي يصون الملكية الخاصة وحق التقاضي ويمنع تحصين القرارات الإدارية.
يوضح النميري أن "الدولة في أحوج مرحلة من مراحلها لكل شيء من البنى التحتية والمرافق المهدمة بنحو 400 مليار دولار". يشدد في الوقت ذاته على أن "الدولة لا تقوم على العواطف بل على القوانين والنظم، ولا بد من الصبر والوقت والتعاون المشترك لإيجاد الحلول القانونية لكل حالة على حدة، سواء عبر التعويض العادل، أو جبر الضرر، أو تقديم مقاسم وأسهم طابقية بديلة".
يرى المهندس مظهر شربجي، الخبير بالحوكمة، أن الاستملاك ضمن المخططات التنظيمية للنفع العام من الصعب جدًا إعادة وضعه المادي، لافتًا إلى أن "جبر الضرر كما هو في العدالة الانتقالية والتعويض العادل قد يكون حقًا لبعض الأشخاص الذين غبنوا في عقاراتهم". أوضح شربجي أن الأراضي الزراعية التي لم تنفذ مشاريعها يمكن أن تعود لأصحابها بالشروط القانونية، مستعرضًا تجارب تخطيطية بديلة كنظام "التوزيع الإجباري" المتبع في مناطق أخرى والذي يقتطع نسبة محددة للخدمات والمرافق دون نزع جبري للملكيات بالكامل.
إشكالية الشفافية وأزمة الثقة
تظهر في هذا الملف فجوة عميقة تتمثل في غياب الشفافية المؤسسية وضعف قنوات الإفصاح المباشر من الجهات التنفيذية والمحافظات بشأن مصير الأراضي والمشاريع الاستثمارية الكبرى، مما يفتح الباب أمام انتشار الشائعات وغياب اليقين القانوني لدى المواطنين.
يُشدد شربجي على أن "أغلب المشاكل تتمحور حول غياب الشفافية، وفتح المجال لوسائل التواصل الاجتماعي أن تصنع العقد والمشاكل في ظل تقصير الجهات المسؤولة عن الإعلان المباشر عن القرارات". يؤكد الخبير بالحوكمة أن الجهات الحكومية يفترض أن تبدأ بـ "تسوية وضع الأرض وحل المشاكل ومعالجتها قانونيًا وماديًا قبل طرح أي مشاريع استثمارية جديدة أو توقيع عقود مع مستثمرين جدد".
مؤشرات جوهر الأزمة
في ختام النقاش، أظهرت نتائج استبيان مباشر أُجري مع الجمهور الحاضر لتحديد جوهر الأزمة في قوانين الاستملاك السورية، أن انخفاض قيمة التعويض المالي يأتي في مقدمة المشكلات بنسبة 46%، يليه مباشرة غموض أسباب الاستملاك وطريقة استخدام العقار بنسبة 42%، بينما رأى 11% من المشاركين أن طول وتعقيد إجراءات دفع التعويض يشكل المأخذ الرئيسي في هذا الملف.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة